14 أكتوبر الثورة التي قهرت الامبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس..
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - الساعة 10:35 مساءً
بدايةً يمكننا القول بأن الثورة اليمنية ( 26 سبتمبر و 14 اكتوبر ) لم تكن حدثاً عابراً محدود الأثر أو التأثير على الصعيد الوطني والشعبي شمالاً وجنوباً ، أوعلى المستوى العربي والدولي والأممي ؛ فقد أعادت الزخم التحرري للمنطقة والعالم لاسيما بعد انفصال الجمهورية العربية المتحدة في 1961م حيث قامت ثورة 26 سبتمبر كأول رد فعل على حركة الانفصال ، وأعادت للأمة العربية مجدها ، وأكدت بلا أدنى شك على الامتداد القومي التحرري الصاعد الذي لم يخبو ولن يموت ما دامت هناك إرادات صلبة وصادقة تصدع بالحق ولاتخشى فيه أحد .
لقد كانت ثورة ال 14 من اكتوبر 1963م المجيدة امتداداً طبيعياً لثورة الـ 26 من سبتمبر 1962م المباركة ، والذي لولاها ـ أي الثورة الأم ـ لم تكن ثورة الـ 14 اكتوبر نتيجةً طبيعيةً لها .
كما من المعلوم بالضرورة أن الثورة اليمنية الـ 26 سبتمبر 1962م و الـ 14 من اكتوبر 1963م المجيدتين قد مرَّتا بإرهاصاتٍ سابقةٍ لاندلاعهما ضد أطغى حكم كهنوتي سلالي رجعي مقيت في المنطقة جثم على صدر شعبنا لما يزيد على ألفِ عام في شمال الوطن ، وضد أعتى احتلال استعماري دام لــ 129عام ، قدَّم فيه شعبنا اليمني ملاحمه الخالدة في سبيل استعادة حريته ، والانتصار لكرامته ، وحكم ترابه الوطني بنفسه .
وسنحاول في الذكرى الــ 63 لثورة الـ 14 من اكتوبر 1963م المجيدة في هذه السردية التاريخية وعلى عجالةٍ الاقتصار زمنياً على تلك الإرهاصات الثورية من منتصف القرن الماضي ، والتي تجلَّت فيها تلك الانتفاضات شمالاً ضد الحكم الإمامي الكهنوتي السلالي الرجعي المتخلف والبغيض في انتفاضات أو حركات 1948م ، وحركة 1955م ، وتتويجها في الـ 26 سبتمبر 1962م بقيام الجمهورية العربية اليمنية ، أو تلك التي تمثَّلت في جنوبنا اليمني مثالاً لا حصراً بانتفاضات الشيخ / محمد العيدروس ، والإضرابات العمالية ، والتي تجاوزت الـ 30 إضراباً ، وفي شكل الانتفاضات التي حدثت في الضالع 1957م ، و الاقتحامات لبعض المراكز الحكومية كما حدث في بيحان ، أوالمظاهرات الاحتجاجية في عدن ، والتي زاد من أوارها جميعاً التناغم العروبي القومي العفوي مع ما شهدته جمهورية مصرالعربية من قيام ثورة 23 يوليو 1952 م المجيدة ، وماتلاها من أحداث كإجلاء الانجليز ، و تأميم قناة السويس ، وما ترتب على ذلك من عدوان ثلاثي في خريف 1956 م على مصر العروبة من قبل انجلترا وفرنسا واسرائيل ، وخروج جماهير شعبنا العربي وفي القلب منه جماهير شعبنا اليمني عن بكرة أبيه في كل المدن اليمنية شمالاً وجنوباً وفي طليعتها مدينة عدن ، كما كان لزيارة الزعيم الراحل / جمال عبدالناصر لليمن عموماً ولتعز تحديداً دلالتها على كل المستويات تأكيداً للعمق الاستراتيجي والبعد الحضاري والهوية العروبية والقومية ، وكان لخطابه الشهير الذي ألقاه من ميدان الشهداء بتعز في ابريل 1964م ، والذي وجهه لبريطانيا حين قال ( على بريطانيا أن تحمل عصاها على كاهلها وترحل من جنوبنا العربي ) ، وأثر ذلك على جماهير شعبنا عموماً وعلى شعبنا في جنوب اليمن على وجه الخصوص من تأجيج المشاعر الوطنية وإذكاء وتيرة النضال والمقاومة والثورة في صفوفه ضد المستعمر البريطاني المحتل .
كما كان لتدفق السلاح القادم من شمالنا اليمني دوره المحوري في دعم هذه الانتفاضات والحركات الفدائية على المحميات الشرقية والغربية كالضالع وشبوة وردفان ويافع و دثينة وغيرها من المدن ، وشهدات هذه المدن وغيرها في العام 1957م تحديداً أكثر من 50 اقتحام لمراكز بريطانية ، وإقامة الكثير من الكمائن للدوريات العسكرية والتي حصدت الكثير من الجرحى والقتلى كما حدث في الأزارق مثلاً ، واغتيال كثير من العملاء المتواطئين والمتعاونين مع الانجليز كما حدث في ردفان والضالع وحالمين .
وقد تعززت المواجهات الشعبية والقبلية ضد الإنجليز في أكثر المدن ومع كثير من القبائل ، وقابلها صلف انجليزي وحشي أرعن استهدف الفدائين وقبائلهم بالقصف بالطيران والدبابات ، وشرد الكثير من الأسر التي نزحت إلى الجبال أو إلى المناطق المجاورة لها أو اليهما معاً .
وكان لتنامي الوعي الوطني الذي خلَّفته ثورة 23 يوليو بمصر العروبة منذ قيامها في 1952م دوره ، وهو ما شعر به الإنجليز في الجنوب والإمامية في الشمال على حدٍ سواء من خطر هذا التنامي في الوعي والوطنية ، والتوق للحرية ؛ فسارعا إلى إقامة تحالفٍ بينهما ، وضيقا الخناق على الفدائيِّن والقبائل الثائرة التي نزحت أو نزح بعض أفرادها لدول الجوار او إلى الشمال اليمني ، وقد شكلت الأخيرة قاعدة بناء لنضالاتها الثورية والفدائية بعد قيام ثورة الــ 26 من سبتمبر 1962م تحديداً ، والذي تفاعلت معها جماهير شعبنا اليمني في الجنوب ؛ فخرجت معبرةً عن فرحتها في كل المدن والقرى بهذه الثورة المباركة التي فجرت طاقتها ، و راحت تطوف في شوارعها مرددةً الأغاني والأناشيد الثورية المؤيدة لقيامها والملهمة لها لمواصلة مشروع الثورة والتحرير ؛ وكثَّفت الحركة الوطنية حراكها ، ووسعت مجال نشاطها واستقطابها ، ووحدت خطاها وعملها الوطني ، وبدأت تدفع جماهيرها إلى حماية الثورة اليمنية الوليدة في الشمال والدفاع عنها تلبيةً لنداء الثورة اليمنية في الشمال ، والانخراط في الحرس الوطني ، وكان دورها فاعلاً في ذلك ، ويكفي للدلالة على ذلك أنه وفي الأسابيع الأولى لثورة الـ 26 من سبتمبر1962 م تدفَّق من معبر الراهدة فقط مايقارب 64 ألفاّ من المواطنين تلبيةً لنداء للدفاع عن الثورة اليمنية الأم 26 سبتمبر 1962 م ، ناهيكم عن معابر البيضاء وإب ومأرب في تجسيد حقيقي علۍ وحدة التراب الوطني ، وواحدية الثورة اليمنية شمالاً وجنوباً ، وعلى وحدة النسيج الوطني ، ووحدوية الأرض والإنسان التي ترجمتها الثورة اليمنية الأم في أولى أهدافها الستة : ( التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما ، وإقامة حكم جمهوري عادل ، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات ) ، وفي خامس أهدافها : ( العمل على تحقيق الوحدة الوطنية في نطاق الوحدة العربية الشاملة ) كما أكدتها في ممارستها على الأرض في سلوكيات وممارسات وفي وحدة المصير والتراب اليمني الواحد .
ولهذا كانت ثورة الـ 14 من اكتوبر المجيدة ابنةً شرعيةً لثورة الـ 26 سبتمبر الخالدة ، وقد أَولَت الثورة الأم ابنتها الوليدة رعايتها فكانت حاضنةً لثوارها داعمةً لنضالها متبنيةً لخطى ثورتها ، وشاركت حكومتها بأبناءها ، وكان أول رئيس لجهموريتها مستشاراً لشؤون أبناء الجنوب لدى مجلسها الجمهوري قبل الاستقلال .
كما تشكَّلت أولى مجاميع نضالها المسلح على أراضيها فــ :
اجتمعت فيها مائة شخصية من الفعاليات الوطنية ( في 24 فبراير 1963 بدار السعادة وحضرته كل الفعاليات الوطنية من المقاتلين المستقلين ومن مختلف القوى السياسية مثل حزب البعث ، وحزب الشعب الاشتراكي ، وحركة القوميين العرب ، والضباط والجنود الأحرار ، وتشكيل القبائل ، والجبهة الناصرية ، والجبهة الوطنية ، وحزب الرابطة ، وجمعية الإصلاح اليافعية ، و آخرين وبإشراف مندوبين اثنين ؛ أحدهما من قبل الرئيس / عبدالله السلال ، والثاني من قبل القيادة العربية ( قيادة القوات المصرية ) ، وبعد نقاش مستفيض تم الاتفاق على القيام بثورةٍ مسلحةٍ ضد الاستعمار البريطاني باسم ( جبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل ) على أن يتم الإعداد والتدريب لإنجاح الثورة ، وتكفَّلت مصر بذلك ، ووضعت اسماً كودياً للخطة التي سميت بالعملية ( صلاح الدين ) ، وشكَّلت لجنة من أحد عشر فرداً لقيادة العمل .
و ( بدأ التدريب بإرسال عدد من المناضلين للتدريب في جمهورية مصر العربية من بينهم على سبيل المثال لا الحصر / علي ناصر محمد ، وبخيت مليط ، وهاشم عمر اسماعيل ، وآخرين ؛ ولكن حركة القوميين العرب كتنظيم سري - حينها - شعرت بالخوف من الاستمرار وفق ذلك الاتفاق نتيجة لشعبية عبدالله الأصنج زعيم حزب الشعب الاشتراكي التي كانت طاغية في عدن حينها ؛ فقامت بالتخطيط لخرق اتفاق دار السعادة ، ووصلت إلى قرار عقد اجتماع في إحدى قرى الأعبوس في شهر أغسطس 1963 م دعوا إليه ست مكوناتٍ فقط إلى جانب الحركة القومية ، وفقاً لاختيارهم هم !! وتجاهلوا القوى الأخرى ، واتخذوا اسماً جديداً هو الجبهة القومية لتحرير الجنوب ) .
عقب اتفاق ( دار السعادة ) تلقَّت الفصائل تدريباتٍ نوعيةٍ .. وعادت قبائل ردفان إلى مشاركتها بالدفاع عن ثورة 26 سبتمبر ، وكانت معهم أسلحتهم الذاتيه ، فقام أمير الضالع ( شعفل بن علي شائف ) وعبر المندوب السياسي البريطاني في منطقة الحبيلين ( ميلن ) بمطالبة القبائل بتسليم أسلحتها التي عادت بها من شمال الوطن ، وكان رد الشيخ / راجح بن غالب لبوزة ( أن وضع طلقة رصاصٍ في ظرفٍ وأرسلها لـ ( ميلن ) مما جعل الجيش الاتحادي ، ومعه قوات بريطانية تسارع بالهجوم على قبائل ردفان ، ودارت معركةً شرسةً بينهم أدت بعد أسبوعٍ من اندلاعها إلى استشهاد قائدها البطل / راجح بن غالب لبوزة في يوم الـ 14 من اكتوبر 1963م ، وعندما وصلت الأنباء إلى القيادة العربية بتعز قامت بتجهيز قافلةٍ من الأسلحة والذخائر وتكليف رفيقه الجسور / عبد الله محمد المجعلي بمرافقة القافلة ، وبأن يكون قائداً للمنطقة وعليه حل أي مشاكل قد تنشب بين القبائل بسبب الثارات القديمة .
وكان رد فعل الأصنج أن اعتبر ماحدث في ردفان من مقاومة عفوية وكفاح مسلح ضد المستعمر المحتل تمرداً قبلياً مما جعل شعبيته تتراجع بشكل كبير !!
الجدير بالذكر هنا أن المقاومة أوالكفاح المسلح الذي انطلق من جبال ردفان الأبية كان تلقائياً في بداياته الأولى ثم تحوَّل إلى عمل فدائي منظمٍ ومدروسٍ لاسيما بعد تولي القيادة المناضل / عبدالله المجعلي .
وبعد مرور شهرين من تلك المعركة أعلنت ( الجبهة القومية ) مسؤوليتها عن قيام الثورة المسلحة ، واعتبار يوم استشهاد ( لبوزة ) 14 أكتوبر هو يوم التدشين لانطلاق الثورة ضد الاستعمار البريطاني المحتل .
وأُنشِئَت في تعز مراكز التدريب للفدائيين لتحرير الجنوب اليمني المحتل ، و مثلت تعز ملاذاً آمناً وملجأً حصيناً للثورة والثوار معاً ، ومن خلال الخطة التي اصطلح على تسميتها بـ ( صلاح الدين ) ، والتي وضعتها القيادة العربية المشتركة ، و كانت تعز أيضاً مركزاً لتمويل الفدائيين ، و كان يوجد فيها أيضاً مقراً للجبهة القومية ، ومقراً آخر لمنظمة التحرير ، ثم مقراً لجبهة التحرير بعد الدمج في 13 يناير 1966 م ، كما كانت منطقة ( صالة ) تحديداً مركزاً لتدريب الفدائيين وتسليحهم وتشكّل في منطقة ( الحوبان ) معسكراً كذلك ، إضافة ًإلى استقبال أسر المناضلين الذين اضطرَّتهم ظروفهم إلى النزوح اليها فكانت مركزاً للإيواء ، كما كانت مركزاً لاستقبال الفارين من جنوب وطننا الحبيب .
واندلعت الثورة في كل مكان ، و تجاوبت أصداؤها في كلٍ من الضالع ويافع ولحج وعدن والمنطقة الوسطى ( دثينة والعواذل وبيحان ).
وقد اعتمدت في تمويلها على السطو على البنوك والشركات الأجنبية .
في 13 يناير 1966م تم دمج الجبهتين (جبهة التحرير والجبهة القومية ) تحت اسم ( جبهة تحريرالجنوب اليمني المحتل ) ، ومثل الجبهة القومية في التوقيع على هذا الدمج كلاً من : ( علي أحمد ناصر السلامي ، طه مقبل ، سالم زين محمد ، بينما مثل منظمة جبهة التحرير كلاً من : عبدالله عبدالمجيد الأصنج ، محمد سالم علي ، محمد سالم باسندوة ) ، وفي هذا الاتفاق تم اختيار / عبدالقوي مكاوي أميناً عاماً لجبهة التحرير.
وكان للجمهورية العربية المتحدة وزعيمها الخالد / جمال عبدالناصر دوراً بارزاً وفعالاً في عملية توحيد الفصيلين باعتبار أن الجمهورية العربية المتحدة هي قائدة النضال القومي العربي ، والمتحملة المسؤولية الأكبر في عمليات التمويل والتموين والتدريب العسكري من خلال الخطة المعدة لتحرير الجنوب اليمني والمسماه ( بالعملية صلاح الدين ) .
وقد لاقت عمليات الدمج ترحيباً لدى قيادات التنظيمين ( العسكرية والسياسية ) في حين اعترضت عليه حركة القوميين العرب المتشدِّدة بقيادة / قحطان الشعبي .. علماً بأن حركة القوميين العرب هي فصيل واحد فقط من سبعة فصائل أخرى شكَّلت الجبهة القومية ، وبقية الفصائل هي ( التشكيل السري للضباط والجنود الأحرار ، والجبهة الناصرية ، والجبهة الوطنية ، وتشكيل القبائل ، وجمعية الإصلاح اليافعية ، والمنظمة الثورية لجنوب اليمن المحتل ) .
وقد أعلنت جبهة التحرير من يوم إعلانها تحمل المسؤولية العسكرية ميدانياً لمقارعة الاستعمار ومواجهة قواته وأعوانه في مختلف المناطق وفي مقدمتها منطقة عدن من خلال فرق التنظيم الشعبي للقوى الثورية الثمان فيما بعد .
وفي أغسطس 1966م تشكَّل التنظيم الشعبي للقوى الثورية ، وتشكَّلت من بين صفوفه ثمان فرق فدائية منها ثلاثُ فرقٍ تقلَّد فيها القيادة إخوة ينتمون بالجغرافيا إلى اليمن الشمالي وهي كالتالي :
فرقة صلاح الدين : بقيادة / عبدالرحمن الصريمي .
فرقة المجد : بقيادة / محمد عبدالله الصغير القدسي .
فرقة النصر : بقيادة / خالد المفلحي .
فرقة الوحدة : بقيادة / علي بن علي هادي .
فرقة النجدة : بقيادة الشيخ / سالم بن يسلم الهارش .
فرقة سند الرسول : بقيادة / محمد ناصر قَدَحْ .
فرقة الوليد : بقيادة / سيف حمود الشيخ .
فرقة الفتح : بقيادة / عزب محمد فضل .
كما كانت توجد فرقة فدائية أخرى في عدن هي فرقة ( الشرارة ) ولم تكن محسوبة أو منضوية في إطار التنظيم الشعبي للقوى الثورية .. لكنها تابعة لجبهة التحرير .
وكانت هذه الفرق الثمان تتبع سياسياً جبهة التحرير ، وعسكرياً تتبع التنظيم الشعبي للقوى الثورية .
كما لايخفى على أحدٍ أيضاً أن هذا التنظيم و فرقه و جيش جبهة التحرير شاركوا في معارك الدفاع عن الثورة السبتمبرية في أكثر المناطق ، كما ساهموا بمشاركتهم القوية والفاعلة في فكِّ الحصارِ عن ( صنعاء ) ، أو فيما يعرف بــ ( ملحمة السبعين يوماً ) .
وكان يقود هذا التنظيم الشعبي للقوى الثورية المناضل / عبدالله المجعلي والذي تولَّى قيادة العمل الفدائي في ردفان خلفاً للشهيد / راجح بن غالب لبوزة الذي استشهد في الـ14 من أكتوبر 1963 م.
كانت الجبهة القومية قد نحت منحاً مغايراً إذ دعت إلى وقف عملياتها العسكرية بسبب انخراط العدد الأكبر من أعضاءها في جبهة التحرير ، وتوجهت في استقطابها الحزبي إلى صفوف جيش الاتحاد النظامي وقوات الشرطة ، وحاولت الانفراد بالقرار ، و شُلَّ العمل المقاوم إذ دعت بعض فصائلها لوقف العمليات المسلحة ضد الانجليز بذريعة انظمام جيش نظامي تدرَّب في مصر في صفوف الجبهة !!
وأحدث ذلك لغطاً في داخل صفوفها ، واستطاعت جبهة التحرير أن تقارع المستعمر وتقوم بعمليات في أكثر من مكان بعد انقلاب الجبهة القومية بِعدةِ أشهرٍ من دمج الجبهتين .
لن نخوض في كيف دبَّ الصراع بين إخوة النضال و شركاء السلاح ، و مـا قـيــل و مـا قـد يـقــال فـي ذلـك كـثـيـر …. ؛ لكن الإخوة في حركة القوميين العرب رأت في نكسة مصر انتكاسة لدورها وزعيمها الخالد / جمال عبدالناصر ، فحاولت أن تظهرَ بوجهِهَا الحقيقي وتوجهِها الماركسي الذي كانت تُبدِي غيرَهُ قبل ذلك - كما حدث من تنمرْ لحركة القوميين العرب بعد انتكاسة يونيو 1967م في العديد من الأقطار العربية كالعراق وسوريا واليمن الجنوبي لاحقاً ، والذي تواصلت فيه أي حركة القوميين العرب مع مراكزها الرئيسة في المنطقة في فلسطين ولبنان لتكوِّن فرعاً معلناً لحركة القوميين العرب وتوجهها الماركسي ، وحاولت إزاحة كل رفاق النضال والكفاح المسلح إلى المستوى الذي وصل إلى التصفية الجسدية - بكل أسفٍ - خصوصاً بعد اعتراض واحتجاج فصيلين من مكونات الجبهة القومية التي انقلبت بعد عدة أشهرٍ على مشروع الدمج بين الجبهتين .
وكان المكونان اللذان اعترضا على التحوُّل في مواقف الجبهة القومية هما ( الضباط الأحرار ، والجبهة الناصرية ) .
شكَّل هذا التحوُّلُ وفق تقدير شخصي إلى انتكاسة أخرى في العمل الوطني المقاوم بين شركاء الثورة والسلاح ، وماتلاها بسنوات من مشاريع التعقب والملاحقة وحتى التغييب والاخفاء والتصفية ضد الأخر المختلف من شركاء النضال والكفاح المسلح .
ولهذا نجدُنا نقولُ ونؤكدُ أن مشاريع الاستفراد والاستبعاد لطرفٍ متغولٍ على آخر لن تفضي إلى استقرارٍ أو أمانٍ أو نهوضٍ ، ولن تقود إلى سلامٍ آمنٍ ومستدامٍ ؛ وقد رأينا معارك وأحداث دامية ومسارح تصفيات بين شركاء المقاومة والنضال والكفاح المسلح قبل الاستقلال وبعده ، ( واستطاع الإنجليزُ تغذيةَ البواعثِ العدائية بين إخوةِ النضال والكفاح المسلح ، وهو ما تُرجِمَ بضربات قواتِ الاحتلال على مجاميع المقاومة في أكثر من منطقة في الشيخ عثمان ، و دار سعد ، والمنصورة ، وكرش لمجاميعٍ تابعةٍ لجبهةِ التحريرِ ؛ وتبدَّى ذلك في عمليات التخادمِ التي أفضت إلى تلك الكيفية في تَسَلُّمِ السلطة من سلطاتِ الاحتلال نكايةً بالثورة وبالثوار وبمصر وعبدالناصر ) ، ومازلت تلك الأحداث تجترُّ نفسها أسفاً في الذاكرة الشعبية والسياسية إذا ماتم استدعاء قراءتها تاريخياً !!
وعلى الوعي الجمعي والنخبوي هنا الانتصار للتاريخ ، وللحقيقة حتى لايلتبس الأمر في ذاكرة الأجيال وتاريخ الوطن ، وحتى لا نظل أُسَارى لمعارك التاريخ على حسابِ الحاضرِ والمستقبلِ .
تفاصيل التاريخ لا ترحم ولا تشفع لأحدٍ إذا ما حاول متابعة قراءة هذه السرديات التاريخية بدون تحيزٍ أو انحياز.
لهذا نكتفي بما أشرنا إليه أعلاه ، وما أحوجنا إلى قراءتها بعمقٍ ووعيٍ وطنيٍ لتجنب مآلات الحمق والنزق الذين يحضران بقوةٍ مع مشاريع الاستقواء و الغلبة ومحاولات الاستفراد والاستبعاد في المشاريع الضيقة والصغيرة .
أخيراً استطاعت جهود كل إخوة النضال وشركاء السلاح من صناعة يوم الثورة الخالد ودحر أعتى امبراطورية استعمارية لم تغب عنها الشمس بعد احتلال دام لمائةٍ وتسعةٍ وعشرين عاماً .
لقيَّ فيها شعبنا اليمني في جنوب الوطن صنوفاً من العذاب والتنكيل والتشريد والعسف لكن إرادة شعبنا اليمني وفصائل نضاله الوطنية كانت أقوى من كل إرادة لأنها جزء من إرادة الله - سبحانه وتعالى - أزاحت من على كاهله هذا الكابوس ، وطردته شر طردةٍ متوجةً ذلك باستقلال جنوبنا اليمني في الـ 30 من نوفمبر 1967م مجددةً أمل العروبة في المقاومة والاستبسال ، ومواصلة مسيرة النضال والتحرر بعد نكسة 1967م تحديداً ، و قد اتفق كثيرٌ من المؤرخين والساسة والباحثين أن الثورة اليمنية 26 سبتمبر و14 اكتوبر كانت لها مابعدها ، وأحدثت فارقاً في موازين القوى ليس على مستوى الجزيرة العربية ، ولكن على مستوى الجغرافيا الطبيعية وامتداداتها المائية على سبيل المثال من ( المندب حتى السويس ) ، وكيف أسهم ذلك في طريق الملاحة والتحكم بهما ( مضيقي المندب والسويس ) في أوقات المحنة كما حدث في أكتوبر 1973م .
وفيما يخص تعز ودورها الرائد بل والخالد في دعم وتأييد ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م المجيدة فقد سبق الإشارةً إلى بعضها في سياقات الثورة و سردياتها العارضة ، وبقي أن نؤكد على نقطة جوهرية هامة وهي أن هناك مدناً دورها محوري في التاريخ والأحداث ، و لن نكون مغالين إذا قلنا أنها مدناً تصنعُ التاريخ أيضاً .. و تلك استثناءات الأقدار واختياراته ، ولذلك يحلو لي أن أسميها بمدن المجد كـ ( تعز) مثلاً .. منذ فجر تاريخها الأول كانت مركزَ إشعاعٍ بل و محور الارتكاز في الأحداث و في كتابة التاريخ وتشكيله ، ولايخفى على أحدٍ ايضاً أن للجغرافية وتشكيلها للمكان دورهما في كتابةٍ وجه هذه المدينة - تعز - وإنسانها وتاريخها أيضاً كهبةٍ سماوية حباها بها ربها ، ولا دخل للتحيُّزات ولا للعواطف شأنٌ في ذلك ، وتلك حقيقة يدركها الجميع وإن لم ترق البعض .
كما يجب الإشارة إلى دور إذاعة تعز ودورها الإعلامي الكبير في دعم ثورة الـ 14 من أكتوبر ، والتي أنشئت برعاية مصرية في العام 1966 م ، وكانت تسمى قبلاً إذاعة الثورة ، وقد أُنشِئَت خصيصةً لها ، والتي أصبحت فيما بعد إذاعة تعز وكان مديرها آنذاك أحد مذيعي إذاعة ( صوت العرب ) و هو الإعلامي ( محمد الخولي ) .
مما سبق يتضح كيف امتزاج الدم اليمني بعضه ببعض شمالاً في المحابشة والحيمتين وقعطبة , وامتد لكل الأرض اليمنية في صرواح و حجة وحرض صعدة ومأرب والجوف وأرحب وبني حشيش ، وما زالت تُذْكَرُ تلك الأدوار البطولية لإخوتنا في الجنوب وهم يذودون عن الثورة اليمنية الأم و يبذلون دمائهم رخيصةً من أجلها .
وامتزجت معهم دماء إخوتنا في مصر العروبة فصنعوا بدمائهم ملحمةً كبرى أَثَّرتْ في المشهد العربي ، وغَيَّرتْ في مشهديات التحرر والنضال العربيين ، وكان لهذه الملحمة مابعدها.
وفي الجنوب دماء إخوتهم في الشمال اليمني والتعزي منه تحديداً ، والتي جادت وذادت بدمائها في معارك التحرير والكفاح المسلح مؤكدين على واحدية الثورة اليمنية شمالاً وجنوباً في دلالة ذلك على وحدوية التراب ، و وحدوية المصير والقدر ، ولا يخفى على أحدٍ دور مصر عبد الناصر في دعم وتأييد وتحقيق الثورة اليمنية ، ولا نغالي إذا ما قلنا أنه لولا دعم مصر عبد الناصر ما كانت الثورة اليمنية تعجل بانبلاجاتها ، و لتأخرنا ردحاً من الزمن .. فسلام الله على / جمال عبدالناصر وعلى مصر وشعبها العربي الأبي الذي روى بدماء أبناءه أرضنا اليمنية فأنبتت ثورتنا اليمنية الواحدة 26 سبتمبر و14 اكتوبر المجيدتين .
أخيراً وليس آخراً كيف لنا و لأجيال الثورتين 26 سبتمبر و14 أكتوبر المجيدتين أن نعيد لهما الألق ، ونبث فيهما الروح و نستلهم منهما الدروس والعبر ، متجاوزين عثرات الماضي ، و مؤكدين على وحدة النسيج الوطني أرضاً وشعباً وإنساناً ومشروعاً وطنياً جامعاً ، وتلك مهمة تتحملها القوى والفعاليات الوطنية والسياسية ومنظمات المجتمع المدني ، ودور التنشئة الاجتماعية على اختلاف درجاتها ومسؤولياتها .
ختاماً : نرفع القبعات ونزكي أسمى آيات التحايا والتبريكات لكل إخوة النضال ممن لازالوا على قيد الحياة وشاركوا في صناعة أيام الثورة الخالدة 26 سبتمبر و14 أكتوبر ، وتحية ليوم 13 يناير 1966م الخالد ، و لمن بقى منهم حياً من مناضليه الأبطال أمثال / محمد سالم باسندوة ، حسين عبده عبدالله الحداد ، وعلي ناصر محمد ، وسيف حمود الشيخ ، محمد ابراهيم احمد الزبيدي ، حسين الدقمي وغيرهم الكثير الكثير .
والرحمة والخلود على شهداء ثورة الـ 14 من أكتوبر المجيدة وعلى رأسهم مفجر شرارتها الأولى الشهيد / راجح بن غالب لبوزة .
والرحمة والخلود على المناضلين الذين انتقلوا الى رحمة الله تعالى ، وفي مقدمتهم قحطان الشعبي ، وفيصل الشعبي ، وعبدالقوي مكاوي ، وسالم ربيع علي ، و عبدالله المجعلي ، وعبدالله الأصنج ، ومحمد سالم علي ، وناصر عرجي ، وعبد الفتاح إسماعيل ، وعلي بن علي هادي ، وأبو الفتوح ، وسالم زين ، وطه مقبل ، وعبدالرحمن الصريمي ، ومحمد عبدالله القدسي ، وخالد المفلحي ، ومحمد ناصر قَدَحْ ، وعزب محمد فضل ، وسالم الهارش ، وهاشم عمر ، وقاسم سيف ، وناصر السقاف ، ومحمد عبادي حسن ، ومحمد حميد محسن ، وعلى كل إخوة النضال وما أكثرهم .
والرحمة والخلود لشهداء ثورة الـ 26 من سبتمبر ولكل شهداء الحركة الوطنية .
















