التعبئة العامة في اليمن: هل تستعد الشرعية للحرب أم تستعيد الدولة؟
الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 - الساعة 08:07 مساءً
لم تمر دعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إلى «التعبئة العامة والنفير الوطني»، في خطابه بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لثورة 26 سبتمبر، كعبارة عابرة في خطاب احتفالي. ففي غضون أيام انتقلت الدعوة من المنبر الرئاسي إلى مجلس النواب، الذي وافق في 28 سبتمبر على طلب إعلان التعبئة العامة، مستنداً إلى المادة 37 من الدستور وإلى القوانين المنظمة للاحتياط العام والدفاع المدني ومجلس الدفاع الوطني. وبذلك خرجت التعبئة من دائرة الخطاب السياسي إلى إطار دستوري وقانوني يفترض أن يترجم إلى إجراءات وقدرات فعلية.
لكن الانتقال من الإعلان إلى الفعل هو جوهر المسألة.
فالتعبئة العامة، في معناها السياسي والدستوري، ليست مجرد دعوة إلى حمل السلاح، ولا مرادفاً للنفير الشعبي وحده. فالقانون اليمني المتعلق بالاحتياط العام يعرّفها باعتبارها تهيئة الموارد المادية والبشرية والمعنوية وإعدادها للانتقال من حالة السلم إلى حالة الحرب. وهذا يعني أن جوهرها ليس زيادة عدد المقاتلين فقط، بل رفع قدرة الدولة بأجهزتها ومواردها ومؤسساتها على التعامل مع حالة استثنائية.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل تستعد الشرعية لحرب جديدة، أم أن التعبئة يمكن أن تصبح مدخلاً لاستعادة الدولة لوظيفتها وحضورها وقرارها؟
اختيار ذكرى 26 سبتمبر لإطلاق الدعوة يمنحها دلالة تتجاوز التوقيت. فقد استدعى العليمي الثورة باعتبارها مرجعية لمعنى الجمهورية والمواطنة وسيادة القانون، وربط التعبئة بالدفاع عن الجمهورية ومؤسسات الدولة. وبذلك انتقل الخطاب من استحضار الثورة بوصفها حدثاً تاريخياً إلى استخدامها إطاراً لتعريف الصراع الراهن: صراع على شكل الدولة، ومصدر الشرعية، ومفهوم المواطنة، ومن يملك القرار الوطني.
وهنا تصبح 26 سبتمبر أكثر من مناسبة وطنية في بنية الخطاب؛ تصبح معياراً سياسياً يُقاس به الحاضر.
فإذا كانت الثورة قد دشنت فكرة الجمهورية، فإن الدفاع عن الجمهورية اليوم لا يُختزل في استعادة الأرض، بل يشمل استعادة مؤسسات الدولة التي يفترض أن تجعل من الأرض وطناً تحكمه قواعد واحدة وسلطة قانون واحدة.
ولهذا تبدو كلمة «التعبئة» أهم من كلمة «النفير».
النفير يستحضر في الوعي الشعبي صورة الفرد الذي يتوجه إلى الجبهة. أما التعبئة فهي، في جوهرها، عملية أوسع: تنظيم الموارد، ورفع الجاهزية، وتنسيق المؤسسات، وتحديد المسؤوليات، وتحويل الدولة من حالة إدارة يومية للأزمة إلى حالة استنفار منظم لمواجهة خطر تعتبره السلطة تهديداً للدولة وأمنها.
وهذا ما يجعل القرار اختباراً للدولة قبل أن يكون اختباراً للجبهة.
فالقرار يستطيع أن يصدر في يوم، لكن القدرة على تنفيذه تحتاج إلى حكومة فاعلة، وقيادة واضحة، وتسلسل مسؤوليات، ومؤسسات قادرة على العمل، وموارد يمكن حشدها وإدارتها، وأجهزة عسكرية وأمنية تعمل ضمن إطار مؤسسي، وسلطة محلية تستطيع تنفيذ ما يطلب منها.
الدستور نفسه يضع التعبئة في هذا الإطار؛ فهو ينص على أن تنظيمها يكون بقانون، وأن إعلانها يتم بعد موافقة مجلس النواب، فيما يحدد قانون مجلس الدفاع الوطني أن المجلس يصبح منعقداً بصورة مستمرة عند إعلان التعبئة ويتولى مباشرة شؤونها والإشراف على تنفيذها.
لذلك فإن موافقة مجلس النواب ليست خاتمة القصة، وإنما بدايتها الفعلية.
فالاختبار الآن ليس: هل أعلنت التعبئة؟
بل: ماذا ستفعل الدولة بعد إعلانها؟
هل ستتغير آليات اتخاذ القرار؟ هل ستتوحّد مراكز القيادة؟ هل ستُعاد صياغة أولويات الحكومة ومؤسساتها بما يتناسب مع حالة التعبئة؟ هل ستتحول الموارد العامة إلى قدرة فعلية على حماية السكان ودعم مؤسسات الدولة؟ وهل سيصبح القرار العسكري امتداداً لقرار سياسي موحد، لا نتيجة لتعدد مراكز القوة؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت التعبئة قراراً سيادياً ذا أثر فعلي، أم مجرد رفع لسقف الخطاب.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة لأن الشرعية اليمنية لا تعمل في بيئة دولة مستقرة. فمؤسساتها موزعة جغرافياً، ومراكز القوة داخل المعسكر المناهض للحوثيين متعددة، والقرار السياسي والعسكري ظل لسنوات محكوماً بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة. لذلك فإن إعلان التعبئة يضع الشرعية أمام تناقض أساسي: كيف تطلب من المجتمع أقصى درجات الاستنفار، فيما تحتاج هي نفسها إلى رفع مستوى حضورها المؤسسي وقدرتها على إدارة هذا الاستنفار؟
المسألة هنا ليست في المكان الذي يوجد فيه المسؤول، بقدر ما هي في المسافة بين القرار وتنفيذه.
المواطن الذي يُطلب منه أن يقدم جهده وماله ووقته، وأن يتحمل تبعات الحرب، يحتاج إلى أن يرى الدولة حاضرة في حياته اليومية: خدمة تؤدى، وقانون يطبق، ومؤسسة تعمل، وموارد تُدار، ومسؤولية تُمارس.
ولهذا فإن أول تعبئة مطلوبة ليست تعبئة المواطن.
إنها تعبئة الدولة.
تعبئة الحكومة.
تعبئة الإدارة المحلية.
تعبئة المؤسسات.
تعبئة الموارد.
وتعبئة القرار نفسه.
فالشرعية لا تستطيع أن تطلب من المجتمع أن ينتقل إلى حالة الاستنفار، فيما تظل مؤسساتها تعمل بمنطق ما قبل التعبئة.
ومن هنا أيضاً تأتي الرسالة الداخلية للتعبئة، وهي لا تقل أهمية عن رسالتها العسكرية. فالمعسكر المناهض للحوثيين ليس كتلة سياسية وعسكرية واحدة، وإنما يضم قوى ومصالح ورؤى متعددة. وإذا تحولت التعبئة إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ بين هذه القوى، فقد تصبح جزءاً من مشكلة الانقسام بدلاً من أن تكون أداة لمعالجتها.
أما إذا اتجهت إلى وضع القدرات المختلفة تحت مظلة الدولة، فإن معناها يصبح مختلفاً تماماً.
التعبئة الناجحة ليست تعبئة قوة ضد قوة، وإنما تعبئة الدولة فوق مراكز القوة.
وهنا تظهر قضية الثقة باعتبارها المورد الذي لا يظهر في جداول التعبئة، لكنه قد يكون حاسماً في نتائجها.
فالثقة لا تُصدر بقرار، ولا تُفرض بتعميم إداري. إنها تتكون عندما يرى المواطن أن القانون لا يتغير بتغير موازين القوى، وأن الموارد العامة تُدار لمصلحة عامة، وأن التضحيات موزعة بعدالة، وأن المسؤول الذي يطلب من الناس الصمود يتحمل مسؤولية الصمود نفسه.
ولهذا فإن نجاح التعبئة سيكون مرتبطاً بقدرة الشرعية على تقليص الفجوة بين خطابها وممارستها.
كلما اتسعت الفجوة، تحولت التعبئة إلى شعار.
وكلما ضاقت، تحولت إلى فعل دولة.
وفي هذا السياق، يكتسب إعلان العليمي فتح باب العودة الآمنة إلى صف الجمهورية، والعفو عمن يترك القتال أو العمل مع الحوثيين وفق الإجراءات الدستورية والقانونية، دلالة سياسية تتجاوز الحشد العسكري. فهو يجمع بين الضغط على استمرار القتال وبين فتح مسار للعودة، بما يجعل التعبئة محاولة للتأثير في البيئة البشرية والسياسية للحرب، وليس فقط في ميزان القوة الميداني.
وهذا يقود إلى نقطة أخرى: التعبئة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها إعلاناً للحرب فقط، بل باعتبارها إعلاناً عن قدرة الدولة على إدارة الحرب، إن وقعت أو تصاعدت.
فالفرق كبير بين أن تمتلك الدولة قراراً بالقتال، وأن تمتلك منظومة قادرة على إدارة تبعاته السياسية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية.
ومن هنا يصبح معيار نجاح التعبئة أكثر وضوحاً.
لن يكون النجاح في عدد البيانات، ولا في عدد الاجتماعات، ولا في عدد من يجري حشدهم.
المعيار هو: هل زادت قدرة الدولة على الفعل؟
هل أصبح القرار أكثر وحدة؟
هل أصبحت المؤسسات أكثر انتظاماً؟
هل أصبحت الموارد أكثر كفاءة وانضباطاً؟
هل تحسنت قدرة السلطات المحلية على أداء وظائفها؟
هل أصبحت القوات والمؤسسات الأمنية أكثر ارتباطاً بسلسلة قيادة الدولة؟
هل تمكنت الحكومة من حماية المدنيين وتوفير الخدمات الأساسية في ظروف الحرب؟
وهل شعر المواطن بأن التعبئة تعني حضور الدولة، لا مجرد ارتفاع نبرة الخطاب؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن التعبئة تكون قد أدت وظيفة تتجاوز الحرب نفسها، لأنها تكون قد بدأت بإعادة بناء قدرة الدولة على ممارسة وظائفها.
أما إذا بقيت في مستوى الدعوة والخطاب، فلن تضيف إلى الأزمة اليمنية سوى مصطلح جديد.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول «التعبئة العامة» إلى مجرد تعبئة للخطاب.
فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى ترجمة سياسية ومؤسسية: من قرار الرئاسة إلى خطة حكومية، ومن الخطة إلى موارد، ومن الموارد إلى مؤسسات تعمل، ومن المؤسسات إلى نتائج يلمسها المواطن.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية التي تختصر اللحظة اليمنية كلها:
الشرعية تريد استعادة الدولة، لكنها لا تستطيع استعادة الدولة بالقوة العسكرية وحدها؛ لأنها تحتاج، في الوقت نفسه، إلى استعادة قدرتها على ممارسة وظائف الدولة.
فالأرض لا تستعيدها القوة وحدها، والسلطة لا تصبح دولة بمجرد الاعتراف بها، والشرعية لا تكتمل بمجرد صدور القرار.
الشرعية تصبح أكثر رسوخاً عندما تتحول إلى مؤسسات، والمؤسسات تصبح دولة عندما تتحول إلى قدرة، والقدرة تصبح شرعية فعلية عندما يشعر المواطن بنتائجها.
لهذا فإن التعبئة العامة قد تكون لحظة مفصلية، ليس لأنها تعني بالضرورة أن اليمن دخل حرباً شاملة جديدة، بل لأنها تضع الشرعية أمام اختبار لا يمكن تأجيله: هل تستطيع أن تنتقل من إدارة الانقسام إلى إدارة الدولة؟
ذلك هو السؤال الأهم.
فالمعركة، في نهايتها، ليست فقط حول من يسيطر على هذه الجبهة أو تلك، وإنما حول من يستطيع أن يقدم لليمنيين نموذج الدولة التي يريدون العيش في ظلها.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للتعبئة لن تُقاس بما تقوله السلطة عنها، بل بما ستنتجه على الأرض.
إذا أنتجت قراراً أكثر وحدة، ومؤسسات أكثر فاعلية، وموارد أكثر انضباطاً، وقوات تعمل ضمن إطار الدولة، وحضوراً أقوى للحكومة، وثقة أكبر بين المواطن ومؤسساته، فإنها تكون قد تجاوزت معنى الاستنفار العسكري إلى معنى استعادة الدولة.
أما إذا بقيت مجرد دعوة إلى الناس كي يذهبوا إلى المعركة، بينما تظل الدولة نفسها موزعة القرار والموارد والوظائف، فإن السؤال سيبقى قائماً: من الذي جرى تعبئته فعلاً؟
المجتمع أم الدولة؟
وربما هنا تكمن خلاصة اللحظة كلها: من يريد استعادة اليمن، لا يكفيه أن يستعيد الأرض؛ عليه أن يستعيد الدولة أولاً. ومن يطلب من اليمنيين أن يدافعوا عن الجمهورية، عليه أن يجعل الجمهورية حاضرة في حياتهم بوصفها قانوناً ومؤسسة ومسؤولية، لا مجرد شعار في خطاب.
















