من دماج إلى الجنوب.. رواية لا تنتهي
الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 - الساعة 08:06 مساءً
شر البلية ما يضحك أن تسمع حسين الأملحي يتحدث إلى أبناء الجنوب ويقول: «إخوتي الجنوبيين، المسيرة لا تقصدكم، أنتم طيبون». وهنا يبرز السؤال الذي لا يستطيع الأملحي ولا غيره الهروب منه: إذا كانت «المسيرة» لا تقصد أبناء الجنوب، فمن تقصد؟ وإلى أين تريد أن تذهب؟ وعند من تريد أن تصل؟ لم يبقَ في تلك المناطق إصلاحي ولا مؤتمري حتى تصبح هذه شماعة جديدة، فالمواطن في رأس العارة وكهبوب والوازعية والبرح والكدحة ومقبنة ومحيط باب المندب لا يستطيع أن يفرق بين قذيفة تستهدف إصلاحيًا وأخرى تستهدف مؤتمريًا، ولا بين صاروخ يعرف اسم الضحية وانتماءه السياسي وآخر لا يعرف سوى موقعه على الخريطة. لذلك فإن الحديث عن أن الجنوب «ليس مستهدفًا» بينما القتال والقصف يقتربان من مناطقه، ليس جوابًا عن السؤال، بل محاولة لتأجيله. وهذا الخطاب يذكرني تمامًا بالرواية التي رافقت حروب الحوثيين منذ دماج، حين كانوا يقولون إنهم لا يريدون أبناء صعدة، وإنما يريدون فقط «التكفيريين والإرهابيين»، وكان اسم الشيخ يحيى الحجوري وطلاب دار الحديث في دماج يتصدر تلك الرواية، وكأن إسقاط دماج سيكون نهاية المشكلة. لكن دماج سقطت ولم تنتهِ الحرب، وانتقلت المعركة إلى سفيان، وهناك ظهرت الرواية الجديدة: المشكلة في «عيال الأحمر»، فجرى تصوير آل الأحمر لليمنيين وكأنهم أصل كل مشكلة، حتى أصبح المواطن يسمع عنهم من الرواية الحوثية أكثر مما يسمع عن أي قضية أخرى، ثم سقطت مناطقهم، ولم تتوقف الحرب. انتقلت المعركة بعد ذلك إلى عمران، وهناك أصبح اللواء 310 وقائده العميد حميد القشيبي والإصلاح والإخوان عنوانًا جديدًا للمعركة، وقيل إن الحوثيين لا يحاربون أبناء عمران وإنما يحاربون القشيبي ومن يقف خلفه، ثم سقط القشيبي وسقطت عمران، ولم تنتهِ الحكاية. بل ظهرت روايات جديدة عن تخلي الإصلاح عن القشيبي، وكأن المطلوب من المواطن أن يبقى داخل الرواية نفسها حتى بعد سقوط الشخص الذي قيل له إن الحرب من أجله، وألا يسأل السؤال الأهم: إذا كان القشيبي هو المشكلة، فلماذا استمرت الحرب بعد سقوطه؟ ثم جاءت صنعاء، وبدأت الرواية تحت عنوان «الجرعة»، وبعدها قيل إن الحوثيين لا يريدون صنعاء ولا أبناءها، وإنما يريدون جامعة الإيمان والفرقة الأولى مدرع، وكانت تلك المواقع أحد عناوين الخطاب الحوثي، فسقطت صنعاء ومؤسسات الدولة، ولم تتوقف الحرب. وبعد ذلك جاء الدور على الرئيس السابق علي عبدالله صالح وحزب المؤتمر الشعبي العام، فعاد الخطاب من جديد: «إخوتنا المؤتمريون، لسنا ضدكم، هدفنا ليس أنتم، وإنما رأس الفتنة علي عبدالله صالح»، وخرجت الزوامل والقصائد التي تصوره باعتباره أصل المشكلة، ومن بينها العبارة التي ظلت تتردد في الخطاب الشعبي الحوثي: «صاحبك هد المبدأ تعشى به قبل يتغدا بك»، حتى انتهت تلك المرحلة بمقتل علي عبدالله صالح، لكن الحرب لم تنتهِ، ولم تتوقف جماعة الحوثي عن البحث عن خصوم جدد. وهنا على اليمنيين أن يتوقفوا أمام هذه السلسلة الطويلة من الروايات: دماج كانت المشكلة، ثم آل الأحمر، ثم القشيبي، ثم الإصلاح، ثم جامعة الإيمان والفرقة الأولى مدرع، ثم علي عبدالله صالح، وفي كل مرة كان يقال إن هؤلاء هم الهدف، فإذا سقطوا ظهر هدف آخر، واستمرت الحرب واتسعت خارطة السيطرة. واليوم يصل الخطاب إلى أبناء الجنوب بالعبارة نفسها: «أنتم طيبون، والمسيرة لا تقصدكم». لكن السؤال يعود من جديد: إذا لم يكن الجنوب هو المقصود، فمن المقصود؟ وإذا لم يكن أهل رأس العارة وكهبوب والوازعية والبرح والكدحة ومقبنة ومناطق محيط باب المندب هم المقصودين، فلماذا تدور المعارك في هذه الجغرافيا؟ ولماذا يتقدم خط المواجهة نحو مناطق ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للجنوب وباب المندب والساحل الغربي؟ المواطن اليمني ليس مطالبًا بأن يصدق كل رواية جديدة بمجرد أن تتغير أسماء الخصوم، فقد سمع اليمنيون الرواية نفسها مرات كثيرة، وفي كل مرة كان يقال لهم: «لسنا ضدكم، وإنما ضد فلان». ثم يسقط فلان، وتأتي رواية جديدة وخصم جديد ومعركة جديدة. ولذلك فإن القضية اليوم ليست في شخص حسين الأملحي ولا في كلامه وحده، وإنما في السؤال الذي يجب أن يوجه إلى المشروع الحوثي كله: إلى أين تريدون أن تصلوا؟ ومن هو الهدف بعد أن ينتهي الهدف الحالي؟ وهل هناك منطقة يمكن أن تقولوا عندها إن الحرب انتهت؟ أم أن كل مرحلة تحتاج إلى خصم جديد حتى يستمر المشروع؟ أما الحديث عن إيران، فلا يمكن فصل ما يجري في اليمن عن النفوذ الإيراني ودعم طهران لجماعة الحوثي، وهي مسألة موثقة في التقارير الدولية، ويحق لليمنيين أن يناقشوا بوضوح طبيعة هذا التدخل وما يعنيه ارتباط جماعة مسلحة يمنية بمشروع إقليمي. لكن القضية ليست صراعًا بين العرب والإيرانيين كشعوب، ولا يجوز اختزالها في مواجهة طائفية بين المسلمين، وإنما القضية في تدخل دولة إقليمية في الشأن اليمني ودعمها لجماعة مسلحة تفرض مشروعها بالقوة. إيران لديها مشروع نفوذ إقليمي، والحوثيون جزء من هذا المشهد بحسب ما توثقه تقارير دولية، ولذلك فإن اليمنيين من حقهم أن يسألوا: هل يريدون دولة يمنية مستقلة القرار، أم أن يتحول بلدهم إلى ساحة نفوذ في صراع إقليمي؟ هذه هي القضية التي يجب أن يفهمها اليمنيون جيدًا. لا شمالي ولا جنوبي، لا مؤتمري ولا إصلاحي، لا قبيلة ولا حزب يجب أن يكون مجرد محطة في قائمة خصوم تتغير كلما انتهت مرحلة. فالمواطن الذي قيل له بالأمس إن دماج ليست الهدف، ثم قيل له إن آل الأحمر هم الهدف، ثم القشيبي، ثم الإصلاح، ثم جامعة الإيمان والفرقة، ثم الرئيس علي عبدالله صالح، من حقه اليوم أن يسأل قبل أن يصدق عبارة «أنتم طيبون ولسنا نقصدكم»: ماذا حدث لكل من قيل لنا إنهم كانوا المشكلة؟ ولماذا لم تنتهِ الحرب بعد سقوطهم؟ إن أخطر ما يمكن أن يفعله اليمني هو أن ينظر إلى كل معركة باعتبارها منفصلة عن الأخرى، بينما تكشف السنوات الماضية تسلسلًا واضحًا في انتقال المعارك من خصم إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس من هو خصم الحوثيين اليوم، وإنما ما هو المشروع الذي يقف خلف هذه الحروب كلها؟ فإذا كان كل خصم يسقط ولا تتوقف الحرب، وكل منطقة تُسيطر عليها الجماعة ولا تنتهي المعركة، فربما آن لليمنيين أن يتوقفوا عن متابعة الأسماء التي تتغير، وأن ينظروا إلى الصورة كاملة: من دماج إلى سفيان، ومن عمران إلى صنعاء، ومن صنعاء إلى بقية اليمن، واليوم إلى تخوم الجنوب والساحل وباب المندب؛ كلما تغير اسم الخصم بقي السؤال نفسه: إلى أين يريد الحوثي أن يصل؟ واليمنيون اليوم لا يعيشون في زمن الإمامة الأولى، ولا في زمن كانت الروايات فيه تُحكى شفهيًا ثم تختفي آثارها. نحن في عهد الميديا والتكنولوجيا، وكل شيء تقريبًا يمكن أن يُوثق بالصوت والصورة، وما يُقال اليوم يمكن أن يعود غدًا شاهدًا على قائله، وما يحدث في الميدان يمكن أن يصل إلى الناس خلال دقائق. اليمنيون لا ينسون، ونحن في عهد الميديا والتقدم التكنولوجي، ولسنا في عهد الإمامة؛ كل شيء مسجل ومدوّن بالصوت والصورة يا حوثيين. ولذلك فإن من يظن أن بإمكانه تغيير الرواية كلما تغيرت الجبهة، أو محو ما حدث بمجرد إطلاق رواية جديدة، عليه أن يدرك أن ذاكرة اليمنيين أصبحت موثقة، وأن أجيالًا كاملة ستعود إلى التسجيلات والصور والشهادات لتعرف من قال ماذا، ومن فعل ماذا، ومن كان يقول إن هذا ليس هدفه ثم انتقل إليه بعد ذلك. اليمنيون لا يريدون روايات مؤقتة، وإنما يريدون دولة وحقائق واضحة ومستقبلًا لا يُكتب بالقوة والسلاح. ولهذا فإن عبارة «المسيرة لا تقصدكم» لا تكفي أبناء الجنوب، كما لم تكن العبارات السابقة كافية لغيرهم. اليمنيون يريدون جوابًا واضحًا عن المستقبل، وعن حدود المشروع، وعن الدولة التي يريدون أن يعيشوا تحت ظلها، لا رواية جديدة تُستخدم لتبرير معركة جديدة.
















