من الساحل الغربي إلى لحج.. هل تتكرر المعركة؟
الاثنين 28 سبتمبر 2026 - الساعة 12:45 صباحاً
من يعتقد أن ما حدث في الساحل الغربي كان نتيجة معركة خاطفة، فعليه أن يعود قليلًا إلى الوراء ويقرأ تسلسل الأحداث على الأرض.
قبل التحولات الأخيرة، قصف الحوثيون، لنحو شهر على الأرجح، جبهات الكدحة ومقبنة والبرح وجبل غباري في الوازعية بالصواريخ والمدفعية، قبل أي تقدم بري واسع. ثم استغلوا الثغرات الميدانية وتوغلوا في مناطق جبل حبشي والمعافر، قبل أن يتوسع الضغط على جبهة الوازعية وصولًا إلى الساحل الغربي وذوباب وباب المندب.
إذن، لم تكن المعركة خاطفة كما يصورها البعض، ولم يحدث الانهيار في يوم وليلة، بل سبقتها مرحلة من القصف والضغط العسكري والاستنزاف ومحاولات السيطرة على المرتفعات وخطوط الإمداد، ثم استغلال الثغرات والتقدم على الأرض حتى تغيرت خريطة السيطرة على الساحل الغربي.
وفي الجانب السياسي، لا يمكن تجاهل سنوات الخلاف والصراع داخل المعسكر المناهض للحوثيين. فهناك اتهامات موجهة إلى أطراف محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين بالتحريض ضد المقاومة الوطنية، واستهداف بعض أفرادها، والعمل خلال السنوات الماضية على إضعاف وجود قوات طارق صالح في الساحل الغربي وإخراجها منه. وتظل هذه اتهامات سياسية وعسكرية تحتاج كل واقعة منها إلى أدلة مستقلة لإثباتها، لكنها تكشف حجم الانقسام الذي أصاب المعسكر المناهض للحوثيين وأثر في تماسكه.
واليوم تنتقل المعركة إلى جبال كهبوب في لحج.
في محيط هذه الجبال الوعرة تدور معركة ذات أهمية استراتيجية كبيرة. وتتبع مرتفعات كهبوب مديرية المضاربة ورأس العارة في منطقة الصبيحة بمحافظة لحج، وتقع ضمن مسرح عسكري يرتبط مباشرة بمنطقة باب المندب ومحاور الحركة بين الساحل وتعز ولحج وعدن.
ويمكن، من منظور جغرافي وعسكري، قراءة المشهد باعتباره مثلثًا استراتيجيًا: المخا وامتداد الساحل يمثلان ضلعًا، وجزيرة ميون الواقعة عند بوابة المضيق تمثل ضلعًا آخر، بينما تشكل مرتفعات كهبوب ضلعًا بريًا بالغ الأهمية لاستكمال السيطرة وتأمين المواقع والطرق المحيطة بباب المندب.
وهنا تكمن أهمية المعركة الحالية؛ فالسيطرة على الساحل والوصول إلى جزيرة ميون شيء، وتأمين المرتفعات الحاكمة المطلة على هذا المسرح شيء آخر. كهبوب ليست مجرد سلسلة جبلية، وإنما مرتفعات حاكمة يمكن لمن يسيطر على مواقعها الرئيسية أن يعزز قدرته على مراقبة طرق الحركة وتأمين المحاور البرية المحيطة.
ولا تتوقف أهمية كهبوب عند باب المندب. فالمرتفعات، وخصوصًا المرتفعات الشرقية، ترتبط بمحاور الطرق بين المخا ولحج وعدن. كما يمثل محور المضاربة وكهبوب أحد خطوط الدفاع المهمة في مديرية المضاربة ورأس العارة، الواقعة في الجهة الشرقية من منطقة باب المندب.
ولهذا، فإن المعركة الجارية هناك ليست معركة هامشية ولا مجرد صراع على جبل. إنها معركة على المرتفعات الحاكمة وخطوط الحركة والإمداد ومداخل منطقة استراتيجية شديدة الحساسية.
وهنا يعود السؤال نفسه الذي طرحته تجربة الساحل الغربي: هل يحاول الحوثيون تكرار السيناريو ذاته؟
قصف واستنزاف، ثم ضغط على المرتفعات، واستغلال للثغرات، وتثبيت للمواقع، ثم الالتفاف وفتح محاور جديدة. فإذا كان هذا هو المسار الذي يحاول الحوثيون اتباعه في لحج، فإن معركة كهبوب تستحق أن تُقرأ ضمن صورة أكبر من حدود الجبال نفسها.
لكن السيطرة على كهبوب، إن حدثت، لا تعني تلقائيًا أن الطريق إلى عدن أصبح مفتوحًا أو أن سقوط المدينة أمر محسوم؛ فبين كهبوب وعدن جغرافيا واسعة ومحاور وقوات دفاعية أخرى، ونتيجة المعركة ستظل مرتبطة بالتطورات الميدانية وقدرة الأطراف المختلفة على الاحتفاظ بمواقعها أو استعادتها.
ومع ذلك، فإن تجاهل ما يحدث اليوم في مرتفعات لحج سيكون خطأ. فالحرب في اليمن أثبتت أن المعارك الكبرى لا تبدأ دائمًا بهجوم مباشر على المدن؛ أحيانًا تبدأ من جبل، أو ثغرة صغيرة، أو طريق إمداد، ثم تتوسع تدريجيًا حتى يتغير المشهد بأكمله.
الساحل الغربي كان درسًا، وكهبوب ولحج اليوم تحت الاختبار، والأيام حبلى بالمفاجآت.














