حين تتوحد الكلمة تتماسك الجبهة (الحلقة الثانية)
السبت 26 سبتمبر 2026 - الساعة 10:08 مساءً
ليست اللحظة لحظة ترف أو نزق أو استعراض ، وليست قضايا الوطن والتحرير واستعادة الدولة قضايا مؤجَّلة أو مرحَّلة حتى إشعارٍ آخر .
إنها لحظةُ امتحانٍ حقيقيةٍ ؛ لحظة تتعاظم فيها المخاطر ، بينما لا يزال بعضنا يتعامل مع الواقع بعقلية الأيام الخوالي أوبعقلية ماسبق من سباتٍ وغفلةٍ ، وكأن ما يحيط بالوطن مجرد أحداثٍ متفرقةٍ لا تصيبُ عمقه بمقتلٍ ، لا مقدماتٍ لتحولاتٍ تمس أمنه واستقراره وسيادته ، ومستقبل شعبنا اليمني ووجوده الجمهوري و الوحدوي .
فباتساع الخلافات تتسع المخاطر ، وتكبر مساحات الخطر ؛ فحين يتسع الخلاف يجب أن تتسع معه المسؤولية ، وأن تتأخر الحسابات الصغيرة حين ينبغي أن تتقدَّم القضايا الوطنية الكبرى ، وأن تتعدَّد الاتجاهات في الوقت الذي يتطلب فيه المصير اتجاهاً واضحاً ، وإرادةً متماسكةً ، وموقفاً صلباً لا تلتهمه الترددات .
إن وحدة الكلمة إذاً ليست ترفًا بل ضرورة بقاء ووجود ، فلا وحدةُ صفٍ بلا وحدةُ رؤيةٍ ، ولا وحدةُ رؤيةٍ بلا إدراكٍ مشتركٍ لطبيعةِ الأخطار أو المخاطر ، ولا إدراك للخطر من دون يقظةٍ تَخرُجُ بالناسِ من أسرِ العادةِ إلى وعي اللحظةِ التاريخيةِ .
إن الأمم والشعوب والأوطان لا تسقط فقط حين تُهزم في الميادين ، فقد تبدأ هزيمتها قبل ذلك بكثير؛ حين تفقد القدرة على تسمية الخطر باسمه ، وحين تتعامل مع التهديد بوصفه شأناً عادياً أو عابراً ، وحين يصبح التراخي أسلوباً اعتيادياً ، والتردد سياسة ، والانقسام أمراً طبيعياً ومألوفاً ، وما أخطر أن يصبح التراخي حالة عامة ! ولا تَرِفُ له جفون .
فالتراخي لا يعني غياب الحركة فحسب ؛ بل يعني غياب الإحساس بالمسؤولية ، هو أن ترى مقدمات الخطر ولا تستخلص نتائجها ، أن تسمع التحذير ولا تغيّر سلوكك وممارساتك ، أن تدرك أن الزمن يعمل ضدك وفي غير صالحك ، ثم تستمرئ وتواصل التصرُّفَ و كأن الزمن يقف معك أوعلى الحياد في أحسن أحواله ، والزمن في القضايا المصيرية ليس كذلك البتة ؛ بل على النقيض من ذلك تماماً .
إنه يمنح الفرص لمن يحسن استثمارها ، ويضاعف الخسائر على من يبددها أو يتهاون فيها .
وحتى لا تتحوَّل وحدة الكلمة إلى معول هدمْ لوحدة الصف ، فلتلتقي كل القوى حول الثوابت التي لايجب أن تبتلعها الخصومات ، وليختلف المختلفون فيما شاؤوا من التفاصيل ، لكن على ألا يختلفوا على ضرورة حماية الوطن أرضه وإنسانه ، وليجتهد المجتهدون في الوسائل والآليات ، لكن لا يجعلوا من الوسائل سبباً لتعطيل الغايات الجسام ، وليكن التعدد مصدر قوة ، لا ذريعة للتنازع والفرقة والخصام .
فالخطر لا ينتظر حتى ننتهي من خلافاتنا ، والمخاطر لا تتوقف احتراماً لانقساماتنا ، والتحديات لا تمنح أحداً مهلةً إضافيةً كي يعيد ترتيب أولوياته بعد فوات الأوان .. ذلك مايجب أن نفهمه و نعيه .
إن واحدية المعركة تبدأ من فهم واحد : أن ما يتهدد الوطن في أمنه ، أو قراره ، أو وحدته السياسية ، أو نسيجه الاجتماعي ، أو قدرته على النهوض ، ليست ملفاتٍ منفصلةٍ يمكن التعامل معها بمنطق القطيعة والفرقة والتجزئة ، إنها مترابطة في آثارها ، متداخلة في نتائجها ، ومتحدة في انعكاساتها على مصير الوطن والمجتمع و الناس ، ولهذا لا ينبغي أن تكون استجابتنا مجزأةً حيال كل ذلك .
كما لا يجب أن نواجه كل خطرٍ منفرداً وعلى حده ، بينما تتراكم الأخطار كلها في سياقٍ واحدٍ ، كما لا يجب أن نبدد طاقاتنا في معارك جانبية ، ثم نتساءل لماذا تراجعت قدرتنا على مواجهة المعركة الأساسية .
كما لا يجب أن نسمح للخلافات الداخلية بأن تتحوَّل إلى قوةٍ إضافيةٍ في يد كل من يريد إضعاف الصف الوطني .
إن أخطر ما يمكن أن نفعله في زمن التحديات هو أن نختلف على حجم الخطر بدلاً من أن نستعد لمواجهته ، وأن ننشغل بتبادل المسؤوليات بدلاً من تحملها ، وأن نستهلك إرادتنا في المناكفات ، بينما تتطلب المرحلة تعبئة الوعي ، وتنسيق الجهود ، وتوحيد المواقف .
كما وحدة الصف لا تُعلن في البيانات وحدها فقط ؛ إنها تُختبر عند الاختلاف ، وتظهر عند الشدائد ، وتتجسد حين يتقدَّم الواجب على الرغبة ، والمصلحة العامة على الحسابات الخاصة ، والمصير المشترك على الاعتبارات السطحية والضيقة .
حينها تكون واحدية المعركة التزاماً خلاقاً بأن نرى الصورة كاملة ، وأن نفهم أن تجزئة الخطر لا تلغي وحدته ، وأن تعدد ساحاته لا يعني تعدد مصائرنا ، فإذا كان المصير واحدًا ، فلا بد أن تكون البوصلة واحدة .
وإذا كانت التحديات متصلة ، فلا بد أن تكون الإرادة متصلة ، وإذا كان الوطن للجميع ، فلا يجوز أن تكون مسؤوليته موزعة بين الجميع دون موقفٍ جامعٍ .
وللخروج من المناطق الرمادية أو مناطق الظل و الانتظار، ومن وَهْمِ أن المخاطر ستتراجع وحدها ، ومن الاعتقاد بأن الوقت يعالج كل شيءٍ ، و يَدْمِلُ كل شيءٍ ؛ فالوقت لا يعالج الأخطاء التي نُصِرُّ على تكرارها ، ولا يُصلحُ الانقسامات التي نُغذيها ، ولا يوقف الأخطار التي نرفض أو نتعمدُ ألا نراها يجب أن تتمثل الوطنية في مواقفنا ومشاريعنا الوطنية بمسؤولية واقتدار .
إن اليقظة الوطنية ليست تشاؤماً ؛ بل هي شرط الاستعداد و المواجهة .
والتحذير من المخاطر ليس تهويلاً ؛ إنه عين المسؤولية حين يستند إلى وعيٍ وقراءةٍ واقعيةٍ .
أما تجاهلها - أي المخاطر - فهو تهوينٌ بها و ليس اعتدالًا ، والتقليل من شأن التحديات فليس حكمةً ، وأما تأجيل توحيد المواقف ، فليس مرونةً وفيه تخادمٌ غير معلن ، وتواطؤٌ مكشوفٌ ، و قد يكون ذلك كله مجرد طريق آخر إلى إضاعة الفرص .
إن الشعوب التي تريد حماية أوطانها مطالبةٌ بأن تستعيد وضوحها ، وأن تعرف ما الذي يجمعها ، وأن تحدد ما الذي لا ينبغي أن يكون موضع انقسام أو قطيعة أو فصام ، وأن تجعل من وحدة الكلمة لديها قاعدةً للعمل والانطلاق ، لا أن تكون مجرد أمنية تُستعار في الخطابات ومنصات التواصل والإعلام ، أو تلاك في المحافل والمجالس .
فلا يكفي أن نعلن أن الصف واحد ؛ بل يجب أن نتصرف على أساس أنه واحدٌ فعلاً ، ولا يكفي أن نقول إن المعركة مشتركة ؛ بل يجب أن تتوحد كل الجهود على أساس هذا الاشتراك ، ولا يكفي أن نكرر الحديث عن المصير ، بل يجب أن نرتقي في مواقفنا إلى مستوى هذا المصير ذاته .
إن الأوطان لا يحميها فائض الكلام ، بل فائض الوعي والمسؤولية ، كما لا تصان بكثرة الشعارات ، بل بوضوح الأولويات ، وتماسك الإرادات ، واستعداد الصف الواحد لتحمل أعباء المرحلة .
فلتتقدَّم القضايا الكبرى ، ولتتراجع الخصومات الصغيرة ، ولتكن وحدة الكلمة بدايةً لاستعادةِ وحدة الصف ، ولتكن وحدة الصف أساساً لواحدية المعركة ، ولتكن واحدية المعركة طريقًا إلى حماية الوطن ، وصون مكتسباته ، وحفظ أمنه ، وتأمين مستقبل شعبه .
إنها ليست دعوة إلى تأجيل الاختلاف إلى الأبد ؛ إنها دعوة إلى وضعه في موضعه الصحيح ، وليست دعوة إلى الصمت والانكفاء ؛ إنها دعوة إلى أن يكون الحديث مسؤولًا .
إنها ليست دعوة إلى التطابق والتماثل ؛ إنها دعوة إلى ألا يتحول التباين إلى انقسام ، وألا يتحول الانقسام إلى عجز، وألا يتحول العجز إلى خسارة يدفع ثمنها الجميع ، ولا ناجٍ من هذه الخسارة المدوية أحد .
فحين يكون الخطر واحداً ، ؛ لا يليق بأن تكون الإرادة شظايا وبقايا رذاذ ، وحين يكون المصير قدراً مشتركاً ، لا ينبغي أن تبقى الكلمة ركيكةً ومشتتةً ، وتلوكُها الألسنُ من غير إدراكٍ أو وعيٍ أو مسؤوليةٍ .
وحين تكون الأوطان أمام امتحانٍ ، فإن وحدة الصف ليست فضيلةً إضافيةً ؛ إنها واجبُ اللحظة ، وشرطُ القدرة ِعلى العبور، وأول الطريق إلى استعادة الفعل التاريخي .
فلنتوحد في الكلمة ، ولنتماسك في الصف ، ولندرك أن المعركة في جوهرها واحدة .
وما لم تتوحد الإرادة الجمعية ، ستظل الطاقات مبعثرة ، وما لم تتماسك الجبهة الوطنية ، ستظل المخاطر أوسع من الاستجابة ، وما لم نستشعر حجم التحديات ، فقد نستيقظ ذات يوم على واقعٍ مرٍّ لم نتخيله ، و لم يعد يسمح بكثيرٍ من التدارك .
إن وحدة الكلمة اليوم ليست شعاراً للمستقبل ؛ بل مسؤولية الحاضر .
يتبع …














