64 عامًا على ثورة سبتمبر: الجمهورية أمانة في أعناقنا
الجمعه 25 سبتمبر 2026 - الساعة 10:44 مساءً
في السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962، أعلن اليمنيون قيام الجمهورية العربية اليمنية، وفتحوا بابًا لمستقبل تكون فيه الدولة حقًا لجميع أبنائها. وبعد أربعة وستين عامًا، نحتفي بالثورة ونسأل في الوقت نفسه: كيف نحفظ الجمهورية التي ضحّى من أجلها الأبطال، واليمنيون يعيشون منذ اثني عشر عامًا تبعات استيلاء جماعة الحوثي على صنعاء ومؤسسات الدولة؟
لم تولد ثورة سبتمبر من فراغ. فقد سبقتها عقود من نضال الأحرار ضد الحكم الإمامي وما ارتبط به من استبداد وعزلة وامتيازات موروثة. وحين تحرك الضباط الأحرار، وفي مقدمتهم علي عبد المغني ورفاقه، أعلنوا نهاية الحكم الملكي وقيام الجمهورية. ثم خاض اليمنيون معركة طويلة للدفاع عنها، وقدّموا من أرواحهم وأمنهم واستقرار أسرهم ثمنًا لكي يبقى حقهم في وطن لا تُحتكر فيه السلطة بالنسب.
حددت أهداف الثورة الستة معالم ذلك الوطن: التحرر من الاستبداد والاستعمار، وبناء جيش وطني، ورفع مستوى الشعب، وإنشاء مجتمع عادل، وتحقيق الوحدة الوطنية، واحترام المواثيق الدولية. كانت أهدافًا تمس حياة الناس مباشرة. فمعنى الجمهورية بالنسبة إلى الأسرة اليمنية هو أن يجد أبناؤها مدرسةً وفرصةً، وأن تصل إليها الخدمات، وأن تعاملها الدولة بالمساواة والكرامة.
بدأت آثار ذلك التحول تصل، بدرجات متفاوتة، إلى القرى والعزل والمديريات والمدن. فُتحت أبواب التعليم، وبدأ بناء المؤسسات والخدمات، واتسعت آفاق اليمنيين بعد زمن من العزلة. ولا يعني الاحتفاء بهذه المكاسب أن كل أهداف الثورة قد تحققت؛ بل يعني أن علينا إكمال ما بدأه جيلها، حتى تصل ثمار الجمهورية إلى كل بيت في اليمن، من أقصاه إلى أقصاه.
ونستذكر اليوم بامتنان شهداء الثورة وكل من دافع عن الجمهورية في سنواتها الأولى، كما نستذكر مساندة جمهورية مصر العربية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر لها. لقد أدّى أولئك الرجال والنساء واجبهم في زمن بالغ الصعوبة. ووفاؤنا لهم يقتضي أن نحمي المبدأ الذي بذلوا من أجله التضحيات: أن تكون الدولة للشعب كله، وأن يحمي جيشها الوطن، وأن تقوم مؤسساتها على القانون والمواطنة المتساوية.
ولم يتوقف أثر سبتمبر عند شمال اليمن. ففي 14 أكتوبر 1963 اندلعت الثورة ضد الوجود البريطاني في الجنوب، وتواصل الكفاح حتى الاستقلال في 30 نوفمبر 1967. وأسهمت تطلعات اليمنيين وتضحياتهم في الشمال والجنوب في تمهيد الطريق لإعلان الوحدة وقيام الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990. ولهذا فإن ذكرى سبتمبر تستحضر أيضًا نضال أكتوبر وحلم اليمنيين في دولة تجمعهم وتصون حقوقهم.
لكن الحديث عن الجمهورية اليوم لا يمكن أن يقف عند تاريخ تأسيسها. ففي 21 سبتمبر 2014 سيطرت جماعة الحوثي، مع وحدات عسكرية متحالفة معها آنذاك، على صنعاء، ثم امتد الصراع إلى أنحاء أخرى من البلاد. ومنذ ذلك الوقت، عاش اليمنيون سنوات من الحرب والانقسام والنزوح وتدهور الاقتصاد والخدمات. وتواجه الجمهورية تحديًا يمس جوهرها: هل تبقى السلطة شأنًا عامًا يحتكم إلى إرادة اليمنيين ومؤسسات دولتهم، أم تُفرض بقوة السلاح وتُربط بادعاء الحق الحصري في الحكم؟
من هذا المنطلق، يرى اليمنيين في مشروع جماعة الحوثي، المدعومة من إيران، محاولة لإعادة إنتاج فكرة الإمامة في صيغة جديدة. ويعارضون ما يرونه تكريسًا للولاية السلالية، وتغليبًا للجماعة المسلحة على مؤسسات الدولة، وتوظيفًا للتعليم والخطاب الديني والسياسي لخدمة السلطة. إن هذا الاعتراض موجّه إلى مشروع سياسي وممارسات سلطة؛ فالجمهورية التي ندافع عنها تكفل المواطنة المتساوية لكل يمني، أيًا كان نسبه أو مذهبه أو منطقته.
لقد دفع المواطن العادي ثمن هذه السنوات من حياته اليومية: أسرة فرّقتها الجبهات أو النزوح، وطفل تعثر تعليمه، ومريض صعب عليه الوصول إلى العلاج، وشاب ضاقت أمامه سبل العمل. وبعد مرور اثني عشر عامًا على أحداث سبتمبر 2014، لا يجوز أن تصبح هذه المعاناة أمرًا مألوفًا. فحماية الجمهورية تعني أيضًا حماية اليمنيين من استمرار الحرب، والعمل على استعادة مؤسسات تخدمهم، وتأمين طريق عادل إلى السلام يحفظ حقوقهم ولا يترك مستقبلهم رهينة للسلاح.
هنا يتضح معنى عنوان هذه الذكرى: الجمهورية أمانة في أعناقنا. أمانة تقتضي رفض احتكار السلطة والتمييز بين المواطنين، وتقتضي كذلك معالجة أخطاء مؤسسات الدولة والفساد والانقسام الذي أضعفها. وتقتضي أن يجد الشباب مكانًا في بناء المستقبل، عبر التعليم والعمل والمشاركة المدنية، بدل أن يُتركوا بين الفقر والحرب والهجرة. لا تُحمى الجمهورية بالشعار وحده؛ تُحمى حين يلمس اليمني عدلها في المدرسة والمستشفى والمحكمة والمؤسسة العامة.
في الذكرى الرابعة والستين، ننحني لشهداء سبتمبر وأكتوبر، ولكل من ضحّى من أجل حرية اليمن واستقلاله ووحدته. ونستحضر، إلى جانب تضحيات الماضي، مسؤوليتنا تجاه الأحياء اليوم: أن نصون حقوقهم، وأن نساعدهم على الخروج من سنوات المعاناة، وأن نُبقي باب المستقبل مفتوحًا أمام أبنائهم.
لقد أورثنا الأبطال جمهوريةً دفعوا ثمنها غاليًا. وأمانتنا أن نستعيد الدولة اليمنية ونحمي مبدأها، ونصحح مسارها، دولة يشعر كل يمني بأنها دولته.
▪︎ أكاديمي ونقابي يمني














