وحدة الكلمة وواحدية المعركة الوطنية (الحلقة الأولى)
الجمعه 25 سبتمبر 2026 - الساعة 10:30 مساءً
وحدة الكلمة وضرورات المرحلة .
في المنعطفات الكبرى من حياة الأمم والأوطان والشعوب ، لا يكون الخطر فيما يحيط بها من تحديات فحسب ، وإنما في مدى قدرتها على إدراك هذه التحديات ، وتقدير أبعادها، وتوحيد إرادتها في مواجهتها ؛ ذلك أن الأخطار مهما اشتدت لا تصبح قدراً محتوماً إلا حين تقابلها أوضاع داخلية يسودها التراخي ، ويغيب عنها وضوح الرؤية ، وتتراجع فيها روح المسؤولية الوطنية .
ومن هنا فإن وحدة الكلمة لا تُطرح باعتبارها شعاراً عاطفياً ، ولا باعتبارها مطلباً ظرفياً تفرضه أزمة عابرة ؛ وإنما باعتبارها ضرورة من ضرورات العمل الوطني ، وأساساً لا غنى عنه لوحدة الصف وواحدية المعركة الوطنية .
فالأوطان لا تُصان بتعدد المواقف في القضايا المصيرية ، ولا تُحمى بتوزيع الجهود على اتجاهات متباعدة أو متباينة ، وإنما تُصان حين تتوافر لها إرادة جامعة ، تدرك طبيعة المخاطر، وتحدد الأولويات ، وتضع المصلحة العليا فوق أي اعتباراتٍ أخرى .
إن وحدة الكلمة لا تعني إلغاء الاختلاف ، أو مصادرة الاجتهاد ، أو إغلاق أبواب الحوار ، أو إقصاء الآخر واستبعاده .
فالتعدد في الرأي ظاهرة صحية وطبيعية في حياة المجتمعات والشعوب ، ومصدراً من مصادر الحيويَّة فيها ؛ غير أن الخطر يبدأ حين يفقد الاختلاف إطاره الوطني ، ويتحول إلى الانقسام في القضايا التي لا تحتمل التفرقة أوالتجزئة أو القطيعة والبينية على طول الخط ، أو إلى تنازع يستنزف الطاقات والقدرات في الوقت الذي تَفرِضُ فيه الظروف توجيهها نحو هدفٍ واحدٍ وغايةٍ وطنيةٍ واحدةٍ .
إن وحدة الكلمة في أسمى معانيها هي وحدة في الثوابت ، ووحدة في تحديد الأولويات ، ووحدة في إدراك أن القضايا التي تتصل بأمن الوطن ووحدته وسيادته ومستقبل شعبه ، ولا يجوز أن تكون رهينة للمواقف المتعارضة أو الحسابات الضيقة .
وإذا كانت وحدة الكلمة هي المدخل الطبيعي لوحدة الصف ؛ فإن وحدة الصف هي الإطار الحتمي والصروري لواحدية المعركة .. ذلك أن المعارك المصيرية لا تُخاض بإراداتٍ متفرقةٍ ، ولا تُدار بعقليةٍ مُجزَّءةٍ ، ولا يمكن أن تحقق واحدية المعركة أهدافها إذا انشغلت القوى الفاعلة بتبادل الاتهامات بدلاً من تنسيق الجهود ، أو بتضخيم الخلافات بدلاً من توحيد المواقف.
إن المرحلة الراهنة بما تنطوي عليه من تحديات ومخاطر متداخلة تفرض علينا كقوى ومجتمعٍ معاً أن نعيد النظر في كثيرٍ من أنماط التعامل مع الواقع ؛ فلم يعد مقبولاً أن يُنظر إلى كل خطرٍ باعتباره حدثاً منفصلاً ، أو أن تُقرَأ التطورات بعيداً عن السياقات العامة ، أو أن تُدار القضايا الوطنية الكبرى بمنطق ردود الأفعال المؤقتة كما هو حادثٌ بكل أسف .
فالمخاطر لها الف وجهٍ وصورةٍ ، ولا تأتي في صورة واحدة ، وإنما قد تتعدد مظاهرها ، وتتصل نتائجها ، وقد يبدأ التهديد من موضعٍ محددٍ ، لكنَّه لا يلبث أن يتسع أثره ليطال مجمل البنية والسيادة الوطنيين ، و سلامة التقدير هنا تقتضي رؤيةً شاملةً ، كما أن سلامة المواجهة تقتضي موقفاً جامعاً وحاسماً لا تلكؤ فيه ولا ضبابية أو تردد .
ولعل من أبرز التحديات والمخاطر في مجتمعنا تلك التي تحدث في مراحل الأزمات تحديداً ، أن يترافق التراخي الداخلي تحدياتٍ خارجيةٍ تُضعِفُ القدرة على الاستجابة ؛ فتتقدم التفاصيل على الأولويات ، وتنشغل الأطراف بالخلافات البينية التي تحكمها المواقف المتصلبة أيديولوجياً أو دوغمائياً - سيان - والمشاريع الصغيرة مع استهانة بالقضايا الكبرى التي تتراجع للخلف ، وهذا لايصح البتة ؛ فالأوطان والشعوب لا تفقد قدرتها على مواجهة الأخطار مرةً واحدة ؛ بل تفقدها تدريجياً حين يضعف إحساسها بالخطر، ويتراجع استعدادها ، وتتحوَّل الخلافات من وسيلة لتصحيح المسار إلى عامل لتعطيل الإرادة وتثبيطها .
إن استشعارنا بالمخاطر ليس موقفًا تشاؤمياً ، ولا دعوة إلى تضخيم الأحداث ، بل هو تعبير عن وعي بالمسؤولية ؛ فالمجتمع الذي يدرك طبيعة التحديات وحجمها يستطيع أن يضع لها ما يلزم من سياسات ومواقف وإجراءات وتدابير ، ولا يترك للظروف أن تفرض عليه مساراتها .
ومن هنا ومن هنا فقط فإن وحدة الكلمة تقتضي أولاً وضوحاً في الرؤية ، وثانياً صدقاً في تقدير الموقف ، وثالثاً استعداداً حقيقياً لتقديم المصلحة الوطنية العليا على غيرها ، وعليه لا يمكن أن تتحقق واحدية المعركة إذا لم يكن هناك اتفاق على طبيعة الهدف ومقتضياته.
ليس المطلوب في هذه المرحلة إزالة كل أسباب الاختلاف ، فهذا أمر لا يتحقق في حياة المجتمعات والشعوب ، وإنما المطلوب أن يُدار الاختلاف في إطار يحفظ وحدة الاتجاه ، وأن تظل القضايا المصيرية فوق مستوى المناكفات ، وأن يُدرك الجميع أن الخلاف في الوسائل لا ينبغي أن يتحوَّل إلى خلاف على الغايات الوطنية الكبرى تحريراً واستعادة دولة وتفعيل مؤسسات .
فليس من الحكمة أن تُستنزف الطاقات ، وتبعثر الجهود والطاقات في معارك جانبية ، بينما يتطلب الموقف وتقتضي الظروف تركيز الجهود على ما يمس حاضر الوطن ومستقبله ، و ليس من المسؤولية بمكان أن تُترك الأولويات الوطنية الكبرى عرضة للتأجيل والترحيل ، بحجة أن الظروف غير متاحة أو أنها لم تنضج بعد ، أو أن الوقت لا يزال متاحاً وفيه متسع !!
فالتاريخ لا يرحم ولا ينتظر طويلًا ، والفرص (الوطنية) مالم تستثمر وتستغل فإنها لا تتكرر بالضرورة ، والتحديات التي لا تُواجه في بداياتها قد تصبح أكثر تعقيداً وكلفةً في مراحل لاحقة !!
إن وحدة الصف ليست مجرد توافق في الخطاب ، وإنما هي توافق في الممارسات ، وتنسيقٌ في الجهود ، والتزامٌ بالأولويات التي تفرضها المصلحة الوطنية العليا .
كما أن واحدية المعركة ليست مجرد تعبيرٍ سياسيٍ فضفاضٍ أوشعارٍ للاستهلاك ، وإنما هي إدراك واقعٍ ومسؤولٍ بأن وحدة المصير تقتضي وحدة الاتجاه ، وأن تعدد ساحات التحدي لا يعني تعدد القضايا الجوهرية التي ينبغي أن تتقدَّم على ما سواها.
وفي هذا الإطار فإن الدعوة إلى وحدة الكلمة ينبغي أن تكون دعوة إلى استعادة الجديَّة في العمل المؤسسي وطنياً على كل الصعد ، وإلى تجاوز حالة الاسترخاء التي قد تحجب عن الناس حقيقةَ ما يواجهونه من تحديات ، وإلى إعادة الاعتبار لقيم الانضباط والمسؤولية .
فليس المطلوب من القوى السياسية والفاعلين خطاباتٍ صاخبةٍ مرتفعة النبرة والرنين بقدر ما هو مطلوب منها موقف واضح ، وليس المطلوب منها أيضاً كثرة البيانات بقدر ما هو مطلوب توحيد الجهود ، وليس المطلوب منها الاكتفاء بإعلان وحدة الصف ؛ وإنما ترجمة حقيقية لهذه الوحدة في سلوكٍ سياسيٍ ووطنيٍ وفعلٍ ملموسٍ .
فالأوطان لاتحمى بالأمنيات ، ولا تبنى بالانفعالات ، ولا تُصان بالنوايا وحدها ؛ فلا نوايا حسنة في العمل السياسي وفي الشأن العام ؛ بل تُصان بوعي أبنائها ، وتماسك مؤسساتها ، ووحدة إرادتها ، وقدرتها على وضع القضايا الوطنية الكبرى في موضعها الصحيح .
ولذلك فإن وحدة الكلمة اليوم تظلُ أكثرَ من ضرورةٍ سياسيةٍ ؛ إنها مسؤوليةٌ تاريخيةٌ ، ووحدة الصف ليست مجرد قيمة معنوية فحسب ؛ بل مصدر من مصادر القوة الوطنية ، أما واحدية المعركة فهي التعبير العملي عن إدراك المصير المشترك ، وعن أن مواجهة التحديات لا يمكن أن تنجح ما لم تتجه الطاقات نحو غايةٍ وطنيةٍ واحدةٍ .
لقد آن الأوان لأن تتقدم القضايا الوطنية الكبرى على الخلافات الصغيرة ، وأن تتقدَّم المسؤولية التاريخية على الحسابات الخاصة ، وأن يُستعاد للوعي الوطني دوره وحضوره في قراءة المرحلة واستشراف أخطارها ، واستكناه أبعادها ، وأن ليس أمام شعبنا وقواه الفاعلة سياسياً إلا أن تتوحد كلمتها ، وتتماسك صفوها ، وتدرك أن المصائر لا تُصان بالتردد والمراوحات ، وإنما تُصان بالإرادة الجمعية الواعية ، والعمل المنظم المسؤول ؛ هذا إن أرادت حماية وطنها ، وأن تحجز لها في مستقبله مكان .
إن وحدة الكلمة هي البداية ، ووحدة الصف هي الطريق ، وواحدية المعركة هي مقتضى المصير المشترك بينها جميعاً .
وبغير ذلك تظل الطاقات مهدرة ، والجهود مشتَّتة ، والقدرات معطلة ، واستجابة المواجهة في أدنى مستويات التحديات التي تفرضها المرحلة .
إن حماية الوطن مسؤولية الجميع ، وليست مسؤولية فئة دون أخرى ، و بالمسؤولية الوطنية والإرادة الجماعية يصبح تجاوز المحنة ممكنًا .
يتبع ..


















