هذا ما فعلته بنا الحرب (4)

الاثنين 03 أغسطس 2026 - الساعة 10:46 مساءً

 

مع مرور السنوات، وتصاعد حدة الصراع السياسي، وتجدد المواجهات العسكرية بين الأطراف اليمنية، يفقد المجتمع اليمني الكثير من مقوماته الحياتية والبنيوية، كما تتضاعف معاناة المواطنين، وتزداد سوءًا في مختلف مجالات الحياة المعيشية والتعليمية والصحية والخدمية، وتتقلص حقوقهم وحرياتهم الشخصية، إلى درجة أن كثيرًا من المواطنين أصبحوا عرضةً للأمراض والأزمات الصحية؛ نتيجة الضغوط الكبيرة التي يتحملونها ويتعرضون لها بشكل يومي ومتزايد.

 

وفي هذه الحلقة، سنسلط الضوء على قضية أساسية تسببت في حرمان المواطنين من حقوقهم القانونية المكتسبة، حيث عملت أطراف الصراع على توظيف كل إيرادات الدولة ومكتسباتها في خدمة الحرب واستمرارها، وكانت هذه الإيرادات والمكتسبات من أهم وسائل إطالة أمد الصراع، وتعزيز قدرة الطرفين على الصمود في ساحات المواجهات والمعارك المسلحة.

 

ونشير هنا إلى بعض محاور هذه القضية، التي صنعت فصولًا متعددة من معاناة أفراد المجتمع اليمني، ومنها:

 

• المرتبات:

 

منذ ثمانية أعوام، وموظفو الدولة كافة بلا مرتبات، بعد أن تحولت كل إيرادات الدولة إلى مخصصات ونفقات للحرب، ودعمٍ للجبهات القتالية من كلا الطرفين. ويحاول كل طرف منهما إلقاء المسؤولية على الطرف الآخر فيما يتعلق بهذا الملف، وقد وصل الأمر في بعض الأحيان إلى حد اتهام من يطالب بمرتبه من الموظفين بالخيانة والعمالة، من الطرفين دون استثناء.

 

• التعليم:

 

تراجعت العملية التعليمية بصورة كبيرة بسبب الحرب والصراع السياسي، وتخلي الجهات المعنية عن دورها في دعم التعليم وتحسين جودته. وفوق ذلك، فُرضت رسوم مالية على أولياء أمور الطلاب بذرائع مختلفة، كما أصبحت الكتب والمناهج الدراسية تُباع على أرصفة الشوارع، بدلًا من حصول الطلاب عليها عبر المدارس، وفقًا للقانون.

 

إضافة إلى ذلك، تراجع مستوى أداء كثير من المعلمين والمعلمات في المدارس الحكومية، وازدادت حالات الغياب؛ بسبب عدم حصولهم على رواتبهم ومستحقاتهم المالية. فكيف للمعلم أن يؤدي واجبه على الوجه الصحيح، وهو يعجز عن توفير احتياجاته واحتياجات أسرته المعيشية؟

 

ولا ننسى هنا الإشارة إلى قيام طرفي الصراع بتحويل عدد من المؤسسات التعليمية إلى مواقع وثكنات عسكرية، تحت مبررات الحرب والمخاطر الأمنية.

 

• الصحة:

 

فقد كثير من المواطنين حقهم في الرعاية الطبية، وتخلت معظم مؤسسات الدولة عن التزاماتها المتعلقة بالرعاية الصحية لموظفيها، فضلًا عن المواطن البسيط الذي بات يتحمل تكاليف مالية حتى لأبسط الخدمات الصحية داخل المستشفيات والوحدات الصحية الحكومية.

 

ولم تعد هذه المستشفيات والمراكز الصحية تقدم للمواطنين خدمات مجانية، بل غابت عنها كثير من المقومات الأساسية لرعاية المرضى، مثل الفحوصات والتحاليل والكشوفات والأشعة، وحتى أدوات ومستلزمات الإسعافات الأولية في أقسام الطوارئ، إذ أصبح المواطن يدفع ثمنها للمستشفى أو للصيدلية خارج المستشفى.

 

كما عمد طرفا الصراع إلى إعطاء الأولوية في الرعاية الطبية لجرحى الحرب، مما تسبب في حرمان كثير من المواطنين من الحصول على أسرّة فارغة في الأقسام الطبية المتخصصة وغرف العناية المركزة.

 

• الخدمات الأخرى (الكهرباء والمياه):

 

من أشد صور المعاناة التي يتجرعها المواطن اليمني في زمن الحرب تكاليف فواتير الكهرباء والمياه، إذ فتحت الحرب أبواب الاستثمار التجاري أمام القطاع الخاص لتوفير هذه الخدمات بدلًا من المؤسسات الحكومية، وبأسعار خيالية.

 

فتخيل معي كيف لمواطن لا يملك مصدر دخل، ويعجز عن توفير احتياجات أسرته من الغذاء والتعليم والصحة، أن يتحمل أيضًا تكاليف فواتير الكهرباء والمياه بأسعار تجارية؟

 

ولن أذكر هنا حجم المعاناة التي يتكبدها الناس في المناطق اليمنية الحارة بسبب انقطاع الكهرباء، ولا حجم الرسوم الباهظة للكهرباء التجارية، فقد كُتب عن هذه القضية الكثير من الموضوعات والقصص الإنسانية المؤلمة.

 

• الطرق وممرات العبور:

 

ربما شكلت هذه القضية أحد أكبر أوجه المعاناة اليومية للمواطنين في مختلف مناطق المواجهات العسكرية، وكانت محل نقاش وجدل واسع في الأوساط السياسية والإعلامية والحقوقية والمجتمعية.

 

فقد تسببت الحرب في قطع كثير من الطرق والمنافذ الرئيسة التي تربط المدن والمحافظات اليمنية ببعضها، وأصبحت مغلقة أمام تنقل المواطنين. كما تكبد كثير من الناس مشقة السفر للوصول إلى وجهاتهم، وأُجبر سائقو وسائل النقل على سلوك طرق وعرة وخطرة.

 

وكانت حصيلة ذلك مئات القتلى والجرحى، فضلًا عن الألغام التي زُرعت في كثير من الطرق البرية التي يسلكها المواطنون، والتي كانت هي الأخرى سببًا في سقوط المزيد من الضحايا المدنيين الأبرياء.

 

الخلاصة:

 

لقد جرى توظيف مختلف مقومات الحياة المعيشية في اليمن لخدمة الحرب، وبما يضمن استمرارها وبقاء طرفي الصراع، فيما صودرت حقوق المواطن الأساسية ومقومات عيشه الكريم، وأصبحت معاناته اليومية جزءًا من كلفة حرب لم يكن طرفًا فيها.

 

# يتبع

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس