بين الوفاء والفكرة… الفيدرالية في اليمن كما يراها العسلي
السبت 11 ابريل 2026 - الساعة 11:04 مساءً
قراءة في مشروع دستوري يسعى إلى إعادة بناء الدولة على أسس العدالة والتنمية المتوازنة، في ضوء إهداء يحمل دلالات الزمالة والنضال المشترك
إهداء يتجاوز المجاملة إلى المعنى
في لحظاتٍ نادرة، تتجاوز الكلمات حدودها التقليدية، لتصبح محمّلة بدلالاتٍ إنسانية وفكرية عميقة. هكذا كان وقع الإهداء الذي تلقيته من الأخ العزيز، والزميل الأكاديمي والنقابي، ورفيق الدرب في ميادين الفكر والعمل العام، الأستاذ الدكتور علي مهيوب العسلي، أستاذ الاقتصاد الزراعي بكلية الزراعة – جامعة صنعاء، وعضو مجلس نقابة هيئة التدريس بالجامعة، في كتابه: "الفيدرالية في اليمن: نحو توزيع عادل وتنمية مستدامة".
لم يكن هذا الإهداء مجرد تعبير عن تقديرٍ شخصي، بل كان استحضارًا لذاكرةٍ مشتركة من العمل في رحاب جامعة صنعاء، ومن مسيرةٍ امتدت في فضاءات العمل النقابي والفكري والسياسي، حيث تلاقت القناعات حول قيم العدالة، والدفاع عن الحقوق، والانحياز للإنسان بوصفه غاية كل مشروع وطني.
من تشخيص الأزمة إلى إعادة تصميم الدولة
يمثل هذا الكتاب إضافة نوعية في حقل الفكر السياسي والدستوري اليمني، إذ لا يكتفي بتوصيف الأزمة، بل ينتقل إلى مستوى أكثر عمقًا يتمثل في إعادة التفكير في بنية الدولة ذاتها.
ينطلق المؤلف من فرضية جوهرية مفادها أن الخلل في اليمن ليس عارضًا أو مرحليًا، بل هو خلل بنيوي في هيكل الدولة ومؤسساتها، ما يستدعي—بالضرورة—إعادة هندسة هذا البناء على أسسٍ جديدة تحقق التوازن بين السلطة والمجتمع، وتعيد الاعتبار لمفهوم الدولة العادلة.
الفيدرالية كخيار للعدالة لا للتقسيم
من أبرز ما يقدمه الكتاب طرحه لمفهوم "الفيدرالية التنموية"، بوصفها إطارًا عمليًا لإعادة توزيع السلطة والثروة، وليس مجرد صيغة سياسية لتقاسم النفوذ.
فالفيدرالية، كما يعرضها العسلي، ليست تفكيكًا للدولة، بل إعادة بنائها على قواعد أكثر عدالة وكفاءة، تنهي المركزية المفرطة، وتفتح المجال أمام الأقاليم للمشاركة الفاعلة في إدارة مواردها وتحقيق تنميتها.
ويكتسب هذا الطرح أهميته من كونه يوازن بين وحدة الدولة من جهة، وحق الأقاليم في التنمية العادلة من جهة أخرى، في معادلة دقيقة تحتاجها التجربة اليمنية بشدة.
الهندسة الدستورية كمدخل للإصلاح
يتجاوز الكتاب الطرح السياسي العام إلى تقديم مقاربات دقيقة في مجال الصياغة الدستورية، من خلال معالجة النصوص التي تعاني من القصور أو التعطيل، واقتراح بدائل أكثر كفاءة ووضوحًا.
كما يسلّط الضوء على قضايا محورية، من أبرزها:
تعزيز السيادة الوطنية ضمن الإطار الدستوري
إقرار الاستقلال المالي الكامل للسلطة القضائية
بناء منظومة حكم رشيد قائمة على الكفاءة والمساءلة
وهي مرتكزات تمثل في مجموعها أساسًا حقيقيًا لأي مشروع يسعى لبناء دولة حديثة.
بين الفكر والتجربة… مصداقية الطرح
ما يمنح هذا العمل وزنه الحقيقي أنه لا يصدر عن تنظيرٍ مجرد، بل عن تجربةٍ أكاديمية وعملية متراكمة، لرجل جمع بين البحث العلمي والانخراط في الشأن العام.
وقد عرفتُ الدكتور علي مهيوب العسلي عن قرب، فوجدته مثالًا للباحث الجاد، والمثقف الملتزم، وصاحب الموقف الواضح الذي لا يخضع لحسابات اللحظة أو تقلبات الواقع.
وإلى جانب حضوره الفكري، فإنه يمثل نموذجًا مشرفًا في حياته الإنسانية والأسرية، حيث قدّم للمجتمع أسرةً متميزة علمًا وقيمًا، نفخر بها جميعًا، وتعكس جوهر الشخصية التي تكتب وتعمل بإخلاص.
الوفاء… حين يصبح جزءًا من المشروع
إن ما يضفي على هذا الكتاب بُعدًا خاصًا هو ذلك الإهداء الذي لم يكن مجرد تحية، بل كان تعبيرًا صادقًا عن زمالةٍ نعتز بها، ومسيرةٍ مشتركة تشكّلت في فضاء الجامعة، وترسّخت في ميادين العمل النقابي والوطني.
وهو ما يؤكد أن المشاريع الفكرية الكبرى لا تُبنى فقط على الأفكار، بل أيضًا على العلاقات الإنسانية الصادقة التي تمنحها معناها وامتدادها.
دعوة إلى قراءة مسؤولة لمشروع الدولة
وانطلاقًا من القيمة العلمية والعملية لهذا العمل، فإن من الأهمية بمكان أن يحظى هذا الكتاب باهتمام الجهات المعنية بصياغة مستقبل الدولة اليمنية، وفي مقدمتها الحكومة الشرعية، والقوى السياسية الوطنية، ومراكز الدراسات والبحث.
فما يطرحه الكتاب لا يندرج ضمن التنظير المجرد، بل يمثل اجتهادًا علميًا جادًا يمكن أن يسهم بفاعلية في إثراء النقاش الوطني حول شكل الدولة القادمة، ويقدّم أرضية فكرية قابلة للدراسة والتطوير، في سياق الجهود الرامية إلى إعادة بناء الدولة اليمنية على أسس اتحادية عادلة ومتوازنة.
إن التعامل مع مثل هذه الأعمال ينبغي أن يكون تعاملاً مسؤولًا، يقوم على القراءة المتأنية، والنقاش العلمي، والاستفادة من مضامينها في صياغة تصورات واقعية لمستقبل الدولة، بعيدًا عن الارتجال أو المعالجات الجزئية.
خاتمة: كتاب يتجاوز صفحاته
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى كتاب "الفيدرالية في اليمن" بوصفه مجرد عمل أكاديمي، بل هو مساهمة جادة في النقاش الوطني حول مستقبل الدولة اليمنية، ودعوة صريحة لإعادة التفكير في أسس بنائها.
أما الإهداء، فسيبقى بالنسبة لي قيمةً إنسانية أعتز بها، ودليلًا على أن الوفاء لا يزال حاضرًا بين من آمنوا يومًا—وما زالوا—بأن الكلمة موقف، وأن الوطن يستحق أن يُبنى على العدل والوعي معًا، مستفيدًا من كل جهدٍ فكري صادق يسعى إلى إنقاذه وبناء مستقبله.
▪︎ أكاديمي ونقابي يمني















