عندما تدار النقابات بعقلية الحاكم العربي

الخميس 26 مارس 2026 - الساعة 09:50 مساءً

 

تعد الحركة النقابية ركيزة أساسية في بناء الدول الديمقراطية، فلا يمكن تصور ديمقراطية حقيقية دون وجود نقابات فاعلة وحيوية . إلا أن الواقع في اليمن يكشف عن تحدي  خطير يهدد هذا المبدأ، حيث وصلت الحركة النقابية إلى مرحلة من الشيخوخة  متحولة إلى نسخة باهتة من نمط الحكم الاستبدادي، ومختزلة جوهر العمل النقابي في شخص رئيس النقابة ، لقد  تجاوزت فترات رئاسة بعض النقابيين في اليمن عقودا ،  محاكية بذلك فترات حكم الحكام العرب المستبدين التي امتدت لثلاثة أو أربعة عقود. هذا التشابه ليس سطحيا، بل يمتد ليشمل سمات وطبائع الحاكم العربي الذي يعطل القوانين، ويقوض العمل المؤسسي، ويجمع بين السلطات الثلاث، ويختزل الوطن بأسره في شخصه وبالمثل، فإن رؤساء النقابات هؤلاء يعطلون عمل الهيئات النقابية، ويختزلون النقابة في ذواتهم، مما يحول دون تحقيق أهدافها الحقيقية في تمثيل الأعضاء  والدفاع عن حقوقهم ..  تكمن المشكلة الأعمق في الكيانات النقابية الوليدة التي نعقد عليها الآمال في إحداث حركة تغيير وتحرير العمل النقابي من رواسب الاستبداد والشخصنة الفردية. فمن خلال متابعة أحد هذه الكيانات الوليدة ، يتضح أنها  تعيش صراعا داخليا بين القديم والجديد. يمثل  القديم أولئك الذين يقلدون النقابات السالفة، ويسعون إلى تعطيل الاجتماعات وعمل الهيئات، واستبدال الهيئة الإدارية المنتخبة بـ  بطانة  تهلل وتكبر للرجل الأول  المتفرد بالقرار .

 

لقد رسخ الإرث الاستبدادي ثقافة خاطئة لدى العامة، مفادها أن وحدة الصف ترتبط بالالتفاف حول شخص القائد، بدلاً من الالتفاف حول العمل المؤسسي والقوانين المنظمة للهياكل الإدارية. إن القائد الحقيقي ليس من يعطل الهيئات ويتجنب الاجتماعات مع الهيئة الإدارية. فالقائد النقابي الفاعل لا يبحث عن وسيط بينه وبين شركائه في صناعة القرار، بل ينبغي عليه مواجهة المشكلات، والإنصات إلى الهيئة الإدارية، واحترام قرارات الأغلبية. إن خلق قطيعة بينه وبين شركائه في صناعة القرار، والاستفراد به، وتعطيل الاجتماعات، كلها مؤشرات خطيرة تهدد أي كيان بالزوال أو بالتحول إلى كيان هلامي غير مؤثر.إن الصراع الدائر داخل الكيان النقابي الوليد اليوم ، يعكس قانون " وحدة وصراع الأضداد" حيث يحتوي كل شيء على تناقض داخلي، وتكون هذه الأضداد مترابطة ومتحدة في الوقت نفسه. هذا الصراع هو المحرك الأساسي للحركة والتغيير، ومن شأنه أن يخلق ثورة وعي تنفي النمط الإداري القائم على الانفراد بالقرار، مع الحفاظ على القوانين المنظمة التي تعزز مبدأ المشاركة الجماعية ،  إن ما يمارسه هذا الكيان النقابي الجديد هو عملية "نفي النفي" أي أن التطور لا يعود إلى نقطة البداية، بل يرتفع إلى مستوى أعلى. فنفي الوضع القديم (التفرد بالقرار) ثم نفي هذا النفي يحفظ عناصره الإيجابية في تركيب جديد (القوانين المنظمة)، مما يعني عدم الرجوع إلى النمط النقابي القديم، وخلق عمل نقابي جديد قائم على المشاركة الجماعية والعمل المؤسسي الحقيقي.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس