الفاسدون أو الدولة..
الاربعاء 28 يناير 2026 - الساعة 05:36 مساءً
لم يعد الصراع الحقيقي في البلد بين وحدويين وانفصاليين، ولا بين شمال وجنوب، ولا حتى بين مشاريع سياسية متعارضة كما يُراد لنا أن نصدق. هذا التقسيم لم يعد سوى ملجأ آمن للفاسدين وهروب مكشوف من جوهر الأزمة. الصراع اليوم وبوضوح لا يحتمل التأويل هو بين فاسدين وغير فاسدين.
تحويل المعركة إلى صراع هويات أو جغرافيات ليس خطأً سياسيًا بريئًا، بل حيلة واعية لتفريغ الغضب الشعبي من مضمونه الحقيقي. فحين يُستبدل السؤال: من نهب؟ من أفسد؟ من دمّر الدولة؟ بسؤال: مع من تقف، وحدوي أم انفصالي؟ نكون قد خدمنا الفساد أكثر مما خدمنا أي قضية.
العدو الأول للبلد ليس فكرة سياسية ولا خيارًا وطنيًا مختلفًا، بل الفساد ذاته والفاسدون أينما كانوا. كل مشاكل البلد، من أبسط خدمة معطلة إلى أعقد أزمات الدولة، تقف خلفها منظومة فساد متجذّرة تبدأ من أصغر موقع إداري ولا تنتهي عند أعلى سلالم السلطة. لا صدفة هنا ولا سوء إدارة عابر، هو فساد منظم يعيش ويتغذى على غياب المحاسبة وتشويش الوعي العام.
الفساد لم يعد مجرد خلل داخل الدولة، بل تحوّل إلى بيئة حاضنة لكل أشكال العنف والفوضى. فلا فرق جوهريًا بين مليشيات تحمل السلاح باسم قضايا كبرى وبين مليشيات مدنية وسياسية ترتدي ربطة عنق وتتحدث بلغة ناعمة؛ الأولى نتاج مباشر لانهيار الدولة، والثانية أخطر لأنها تشرعن الفساد وتمنحه غطاءً أخلاقيًا وإعلاميًا وتعيد إنتاجه تحت عناوين براقة.
هذه المليشيات السياسية والمدنية لا تحارب الفساد، بل تعيش عليه، تتغذى منه وتستثمر في بقائه، وتُبقي المجتمع عالقًا في معارك جانبية بينما تستمر منظومة النهب كما هي بلا تغيير ولا مساءلة.
لن تستقيم البلد بتغيير الوجوه ولا بتبديل الشعارات، ولن نحقق أي نصر حقيقي طالما ظل الفساد خارج دائرة المواجهة المباشرة. المعركة الوحيدة التي تستحق أن تُخاض، والتي إن انتصرنا فيها انتصرنا في كل المعارك الأخرى، هي معركة الانتصار على الفاسدين.
هذه ليست معركة أخلاقية مجردة، بل معركة وجود؛ فإما أن نكسر منظومة الفساد أو ستكسر هي ما تبقى من الدولة والمجتمع. ولا حياد في هذه المعركة ولا مناطق رمادية، إما أن نكون مع استعادة الدولة أو مع استمرار خرابها تحت أي لافتة كانت.
















