الصحافة ليست لايكات… بل ضمير وطن
الثلاثاء 13 يناير 2026 - الساعة 09:12 مساءً
نعكف خلف الشاشات نصحّح أخطاء المفسبكين والمشهورين؛ أولئك الذين يغرسون إبر الحقد، وينثرون التمائم والكراهية في جسد المجتمع، ويرسمون الطرق الوعرة للأجيال، ويستبدلون الصدق بالكذب، ويطبّلون لفتاتٍ من المال، ويبحثون عن “الإعجابات” ولو على حساب تمزيق الأواصر والمحبات.
أولئك الذين يظنون أنهم وحدهم الوطنيون، وأن غيرهم فجّار، كفرة، عملاء.
الذين يتعاملون مع الناس على أساس أحزاب وجماعات وأنساب ومصالح وحميّات، فيزرعون أكوامًا من الأحقاد، ويعيدون الثارات، ويمجّدون آكلي الحقوق، ويستبدلون دولة المؤسسات بجمعيات الولاء.
كصحفي، لا أحب كثرة “اللايكات”، ولا تهمّني الشهرة ولا تضخيم الذات. همّي أن أصنع ابتسامة على فم ابن الناس، وأن أترك أثرًا في قلب طفلٍ يتيم فقد أباه من أجل هذا الوطن الذي غزته الأوباش، بعد أن كان يسقط طويلًا في وحل الإمامة.
همّي تصحيح المسار، وتوحيد القوى، وبناء اللبنة الأولى في جدار الدولة. لا يغريني رقم المتابعين، ولا يسحرني تصفيق العابرين. فالصحافة ليست استعراضًا، ولا تجارة عواطف، ولا تملاقًا للسلطة أو للجمهور.
الصحافة إنسان يزرع الأمل.
الصحافة طموح، ومسؤولية، وموقف.
الصحافة وعيٌ يحمي المجتمع من الانجرار خلف الشائعة، ومن الوقوع في فخ التحريض، ومن السير خلف مقاطع مجتزأة تصنع رأيًا عامًا زائفًا.
يقولون لي: “لا أحد يقرأ كتاباتك”.
أقول لهم: يكفيني من يقرأ ويفهم ويتلذذ بالكلمة الصادقة.
كتاباتي ليست للنكت، ولا للضحك، ولا للتسلية.
كتاباتي تهدئة للنفس البشرية، زادٌ للمتعبين، ومتنفّس للتواقين للحرية.
أكتب لمن يبحث عن معنى بعد ضجيج طويل من الكذب، لمن يريد أن يهدأ بعد سيلٍ من “الخرط” الذي يملأ الشاشات.
أكتب لأصحح أخطاء تُرتكب بسبب مقاطع مضلِّلة.
أكتب لصناعة ابتسامة على وجوه تجعّدت من القهر.
أكتب لمن ينتظر كلمة تشبه ما كان يقوله الصحفيون الكبار، أولئك الذين علّمونا أن الكلمة موقف، وأن الحرف مسؤولية.
الصحافة والإعلام أمانة… هكذا تعلّمناها.
على أيدي الدكتور عبدالملك الدناني، أستاذ الصحافة.
وعلى أيدي الدكتور أحمد شاعر باسردة، في فهم المجتمع والإنسان.
وعلى أيدي الدكتور محمد عبدالجبار سلام، رجل الإعلام اليمني الذي فكك مشروع الإمامة في كتاباته شرقًا وغربًا وجنوبًا.
ومن حاتم الصكر تعلّمنا لغة الفصحى والأدب.
ومن الدكتور عبدالباسط الحطامي عرفنا التشريعات الإعلامية، حتى لا ننجرّ خلف الشائعات فنُدمّر دون وعي.
ومع الدكتور محمد عبدالوهاب الفقيه، الذي صنع أجيالًا في إعلام جامعة صنعاء، أدركنا أن الصحافة ليست مهنة سهلة، بل رسالة ثقيلة.
الإعلام ليس “لايكات”، ولا شهرة، ولا بحثًا عن مال.
الإعلام تصحيح، وتمترس مع القضايا السيادية الوطنية، وصناعة رأي وموقف مع الضحايا والمظلومين.
الصحافة مهنة يحملها الشغوفون الطموحون، أولئك القليلون الذين يحاولون التوفيق بين المتخاصمين، ويؤمنون أن الوطن ليس حكرًا على أحد، بل هو وطن الجميع.
أنا واحد من هؤلاء.
لا أريد “إعجابًا” من شخص لم يقرأ، ولا تصفيقًا من عابر لا يفهم.
أكتب لمن يريد الفهم، لمن يحترم الكلمة، لمن يعرف أن الصحافة ليست ضجيجًا، بل ضمير وطن.
وأضيف إلى ذلك أن الصحفي الحقيقي هو من يوفّق ويسدّد، ويقرّب وجهات السياسيين بدل أن يوسّع هوّة الخلاف بينهم؛ هو من يمدّ الجسور لا من يحفر الخنادق، ومن يفتح نوافذ المستقبل بدل أن يُبقي الناس أسرى للماضي البغيض.
الصحفي ليس حارس خصومات، ولا مؤرشف أحقاد، بل صانع وعيٍ جديد، يذكّر المختلفين أن الوطن أكبر من نزاعاتهم، وأن الدم الذي سال لا يجب أن يتحوّل إلى وقودٍ دائم للثأر، بل إلى درسٍ لبناء دولة عادلة.
فالصحافة، في جوهرها، ليست إعادة إنتاج للانقسام، بل محاولة شجاعة لرأب الصدع، وإعادة الاعتبار للمعنى الأسمى:
أن نختلف دون أن نتهشّم،
وأن ننتقد دون أن ندمّر،
وأن نكتب من أجل الغد… لا من أجل تصفية حسابات الأمس.














