«يحيى أبو إصبع» و«ثورة 23 حمروش»
الاحد 11 يناير 2026 - الساعة 10:31 مساءً
أصدر الضابط «الشيوعي» والصحفي والسياسي أحمد حمروش كتابه الشهير «قصة ثورة 23 يوليو» في خمسة أجزاء، بين عامي 1976–1978، قدّم فيه ما اعتبره «قصة الثورة» من موقعه كأحد الضباط الأحرار. غير أنّ الرجل، الذي لم يكن من الصف الأول في مسار الثورة، حوّلها عمليًا إلى قصته الخاصة، وقصة عددٍ محدود من رفاقه في تنظيم «حدتو» الماركسي، ممن تعاون بعضهم مع جمال عبد الناصر.
هذه الرواية، التي بالغت في تضخيم دور أصحابها بما لا يحتمله الواقع، دفعت الكاتب الكبير محمود السعدني إلى اقتراح تسمية الكتاب: «قصة ثورة 23 حمروش» بدلًا من «قصة ثورة 23 يوليو»، في إشارة ذكية إلى تحوّل حدث وطني جامع إلى سيرة ذاتية موسّعة.
وقد تذكّرتُ هذه القصة وأنا أستمع إلى «الرفيق» والصديق يحيى أبو إصبع وهو يروي ل«رحمة حجيرة» تاريخ اليمن، ورؤساءه، والحركة الوطنية اليمنية بكل تياراتها اليسارية والقومية، وكأنّ هذا التاريخ الممتدّ والمعقّد لم يكن سوى فصلٍ من مذكّراته الشخصية، أو سيرة أسرته و«بعض» رفاقه.
ويبلغ العجب—بل السخرية—ذروته في الثقة المطلقة التي يُلقي بها رواياتٍ مرسلة، بلا وثيقة، ولا دليل، ولا واقعة ثابتة، ولا أدلة ولا شهود ولا شواهد، سوى يقين المتحدّث بنفسه، وجرأته على التاريخ والحقائق.
ويتجلّى ذلك بوضوح في ادّعائه غير المسبوق حول عضوية الشهيد إبراهيم الحمدي في الحزب الديمقراطي الثوري؛ وهو ادّعاء لم يصدر عن أيٍّ من قيادات الحزب المعروفة قبل ذلك، بل إن الشهيد جار الله عمر نفاه لي نفيًا قاطعًا لا لبس فيه، مؤكدًا أنّ الشهيد الحمدي كان قوميًّا في حركة القوميين العرب عندما كانت ذات توجّه قومي ناصري، لكنه لم يكن من الذين شاركوا في «تمركس» فرع اليمن وتحوله إلى الحزب الديمقراطي. كما أنّ مجمل الوقائع والمعطيات—قبل تولي الحمدي الحكم، وأثناءه، وبعد استشهاده—تنفي هذا الزعم تمامًا.
ومنها المواجهات المسلحة التي قادها في مواجهتهم قبل وصوله إلى السلطة، والمواجهات خلال فترة حكم الحمدي بين الحزب الديمقراطي وفصائله المسلحة من جهة، والشهيد الحمدي من جهة أخرى، وتأسيس الجبهة الوطنية الديمقراطية في فبراير 1976 في مواجهة نظامه الوطني.
وكان أمام من يُفترض أنهم «يعلمون» بذلك ما يقرب من خمسين عامًا ليقدّموا أدلتهم، وشهودهم، وشواهدهم، ومنها ما تلا استشهاد الحمدي وفترة حكم الرفاق في الجنوب، دون أن ينتظروا الرفيق أبو إصبع ليُعلن هذا «الاكتشاف» متأخرًا، بعد أن أثقلته السنون، فصار يستنطق ذاكرةً أرهقها الزمن، تستعيد الوقائع مجتزأة، وتخلط بين ما جرى وما كان يُراد له أن يجري، وذلك في غياب الجميع فعليًا أو صوتًا من العاصمة المحتلّة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثي… ودون دليل.
أما حديثه عن نفي علاقة التنظيم الناصري بالشهيد الحمدي، وعدم عضويته فيه، ووصفه من يقولون بذلك—وغالبيتهم أحياء، معروفون، وشهاداتهم موثّقة—وآخرهم المناضل والمؤرخ والموثّق والمحقّق عبدالعزيز سلطان المنصوب، الذي عقد المؤتمر الوطني العام الخامس للتنظيم، والذي حضره الشهيد الحمدي كعضو فيه، وانتُخب منه عضوًا في قيادة التنظيم في منزله في الحديدة—بأنهم «هبل» أو «مدّعون»، فذلك ليس خلافًا في التأويل التاريخي، بل قفز فجّ فوق الشهادات الحيّة والوقائع المثبتة، ومنها تاريخ طويل من التضحيات والدماء والوقائع والأدلة منذ استشهاد الحمدي وحتى اليوم، واستسهال لإلغاء التاريخ لمجرّد أنّه لا ينسجم مع الرواية الشخصية.
وخلاصة القول:
إنّ تاريخ الحركة الوطنية اليمنية لا يُكتب بالذاكرة الانتقائية، ولا بالثقة العالية وحدها، بل بالأدلة والشهود والشواهد. وهو تاريخ أوسع وأعمق من أن يُختزل في رواية فرد، أو أن يتحوّل إلى «قصة أبو إصبع»، تمامًا كما تحوّلت ثورة يوليو—في سردٍ آخر—إلى «ثورة 23 حمروش». وما عدا ذلك، فليس تاريخًا، بل حكاية تُروى للتسلية… وتُنسى.















