في مأرب… الأمن بوجهٍ إنساني

الجمعه 09 يناير 2026 - الساعة 10:50 مساءً

 

اليوم سأكتب عن أبطال يفضلون حياة النازحين على أجسادهم، يتركون أطفالهم وأبناءهم في المخيمات، ويشكلون حزامًا أمنيًا متماسكًا في أحلك الظروف. رجال ينتمون للدولة بصدق، ويقفون كأن المدينة قائمة على أكتافهم، يخافون أن يحدث شيء ويكونوا سببًا فيه، حتى لا يتعثّر نازح، أو كبير في السن، أو امرأة فقدت معيلها في الحرب، وبقيت مع أطفالها في خيمة نزوح، وهم يحرسونها بحرص، كما لو كانت أطفالهم هم من يحمونهم.

 

مع أول خيطٍ للفجر، وزيادة حدة البرد، كانت مأرب تستيقظ بهدوئها المعتاد. الشوارع شبه خالية، والريح تلسع وجوه المارين، لكن عند النقطة الأمنية كان رجل الأمن حاضرًا، واقفًا كأن الوقت توقف عنده. لم يكن مجرد حارس طريق، بل شاهدًا على حكايات تبدأ كل صباح… قصص الناس الذين يسيرون فوق طرق المدينة بحثًا عن الأمان والطمأنينة.

 

مأرب، هذه المدينة، لم تُبنَ بالحجر وحده، بل بالثقة… ثقة صنعتها العلاقة المتينة بين رجل الأمن والمواطن، علاقة لا تقوم على الخوف، بل على الاحترام، والاعتراف بالإنسان قبل النظام.

 

يراقب رجل الأمن الطريق بعين يقظة، وقلب يعرف أن كل سيارة تحمل قصة. نازح ترك بيته خلفه، مسافر يطارد رزقه، أب يقلق على أطفاله، وأم تبحث عن الطمأنينة. لا يستقبل السيارات فقط، بل يستقبل الوجوه المتعبة، والأرواح المثقلة بالهموم، ويمنحهم لحظة أمان صغيرة، كتحية صادقة أو ابتسامة خفيفة.

 

يعرف أن السؤال اللطيف أحيانًا يسبق التفتيش، وأن الكلمة الطيبة تخفف عن النفس ثقل الرحلة وهمّها. لذلك، التحية أول ما يُقال، والابتسامة أول ما يُرى.

 

يمر المواطن يسلّم بثقة، لا لأن السلاح حاضر، بل لأن الاحترام حاضر. هنا لا يشعر أنه متهم، بل شريك في حماية مدينته. وهنا لا يرى رجل الأمن نفسه فوق الناس، بل واحدًا منهم، يحرسهم كما يحرس أهله وبيته.

 

في حر الصيف اللاهب، وفي برد الشتاء القارس، يبقى رجل الأمن في موقعه، لا يساوم على واجبه، ولا يتخلى عن إنسانيته. تعلّم أن الصرامة لا تعني القسوة، وتعلّم المواطن أن الالتزام ليس خوفًا، بل مسؤولية.

 

وحين تتلاقى الكرامة مع النظام، يولد أمنٌ حقيقي، أمن لا تهزه الأزمات، ولا يكسره التعب، ولا يقلقه طول الطريق.

 

قد تكون النقطة الأمنية مكان توقف عابر، لكن في مأرب، هي محطة طمأنينة، عنوان ثقة، ورسالة صامتة لكل من يمر تقول:

أنت في مدينة تحميك… لأنك منها.

وهكذا تبقى مأرب نموذجًا لعلاقة متوازنة، رجل أمنٍ يحمل الواجب، ومواطنٍ يحمل الوعي، وبينهما وطن يُحرس بالإنسان قبل السلاح.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس