وداعاً أستاذ حاتم..
السبت 16 مايو 2026 - الساعة 08:57 مساءً
المصدر : الرصيف برس - خالد طربوش

المناضل الأستاذ حاتم أبو خاتم لم يكن مجرد اسم عابر في المشهد، بل شخصية مركبة يصعب اختزالها في وصف واحد. كان واضحًا في مواقفه، جريئًا في طرحه، خفيف الظل دون أن يفقد حدته، وصاحب قفشات لاذعة تحمل في طياتها قراءة سياسية أكثر مما تبدو دعابة. جمع بين المحبة والخصومة دون أن يسقط في الجحود، وحافظ على خيط رفيع بين الاختلاف والوفاء، وهي معادلة نادرة في بيئة سياسية تستهلك رجالها سريعًا.
كان قائدًا بطبيعته، لا يتكلف الدور ولا يتصنع الحضور، ولم يرق ماء وجهه في أي منعطف، حتى في اللحظات التي كانت تدفع غيره إلى التنازل أو الصمت، بقي محتفظًا بتوازنه الداخلي، يعرف أين يقف، ومتى يتكلم، وكيف يمرر رسائله دون ضجيج مفتعل.
يحضرني آخر مرة مطولة جلست جواره عام 1997، كان كما هو إلى آخر يوم في حياته، بشوشًا حاضر الذهن، يصنع من الجلسة مساحة أُنس قبل أن تكون نقاشًا. لقاء جمعه بالمرحوم خالد الذكر، طيب السيرة، أحمد طربوش، كانت المشاعر جياشة، مشبعة بمزيج من المحبة والعتب والذاكرة المشتركة، حديث لا يُختصر، سيأتي ذكر تفاصيله لاحقًا.
كان عفويًا في سرده، لا يتكلف بناء المواقف، بل يرويها كما عاشها، بتلقائية تحمل صدق التجربة لا زينة اللغة، وفي كل قضية كان له مدخل خاص، وزاوية نظر لا تشبه السائد، ما يعكس حسًا سياسيًا لماحًا وذكاءً عاطفيًا، يعرف كيف يتجنب تكرار الأخطاء مع الإخوة. الخطأ لم يكن ممن يُلدغون من الجحر مرتين، بل ممن يعيدون قراءة المشهد كل مرة وكأنها الأولى.
برحيله يخسر المشهد أحد أوزانه الثقيلة، رجل لم يكن صاخبًا، لكنه كان مؤثرًا، ولم يكن ظاهرًا دائمًا، لكنه كان حاضرًا حين يُختبر المعنى الحقيقي للثقل السياسي.














