1 مايو/ أيار.. قسوة المعاناة ومرثية الكدح والجوع لعمال اليمن
الجمعه 01 مايو 2026 - الساعة 07:11 مساءً
المصدر : الرصيف برس - تعز - شفاء محمد

في الأول من مايو/أيار من كل عام، يحتفل العالم بعيد العمال، بوصفه مناسبة لتكريم الجهد الإنساني، وتأكيد الحقوق الأساسية للعامل؛ من أجرٍ عادل، وظروف عمل كريمة، وحياةٍ تليق بمن يساهمون في بناء المجتمعات. لكن في اليمن، يمرّ هذا اليوم مثقلاً بالأسئلة: عن أي عيدٍ نتحدث، والعامل غارق في معاناة لا تنتهي؟
تتجلى أبرز التحديات في انعدام فرص العمل، حيث دفعت البطالة المتزايدة كثيراً من الشباب إلى حافة العجز، في ظل سوقٍ محدود لا يستوعب طموحاتهم ولا احتياجاتهم. أما من يجد عملاً، فغالباً ما يكون بأجرٍ لا يتناسب مع حجم الجهد المبذول، ولا يواكب الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة. وبين تضخم الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية، يصبح تأمين الغذاء اليومي معركة يومية لا تخلو من القلق.
لم يعد الجوع مفهوماً عابراً، بل واقعاً يثقل كاهل أسرٍ كاملة. عاملٌ يقضي يومه في الشقاء، ثم يعود في المساء وهو عاجز عن توفير ما يكفي لأطفاله، فيحمل معه إحساساً ثقيلاً بالعجز، ويعيش تحت وطأة قلقٍ لا يهدأ. إنها معاناة صامتة، تتكرر كل يوم، وتترك أثرها العميق في تفاصيل الحياة.
دخل لا يطعم خبزاً
ولم تتوقف الأزمة عند العمّال فحسب، بل امتدت إلى الموظفين أيضاً. فقد تحوّل الراتب، في ظل الانهيار الاقتصادي، إلى دخلٍ غير كافٍ لتغطية الاحتياجات الأساسية، ما اضطر كثيرين إلى البحث عن أعمال إضافية بعد ساعات الدوام الرسمي. وهكذا، لم يعد هناك فارق واضح بين موظفٍ وعامل؛ الجميع باتوا يخوضون معركة واحدة، عنوانها: تأمين الحد الأدنى من العيش.
خيار قسري
في المقابل، اختار كثير من الشباب طريق الغربة، لا سعياً وراء الرفاهية، بل هروباً من واقعٍ ضاغط. يغادرون أوطانهم، يتركون خلفهم الأهل والذكريات، ويتجهون إلى بيئات عملٍ قاسية، يتحملون فيها الغربة والتعب، وأحياناً المعاملة الصعبة، فقط ليضمنوا استمرار الحياة لأسرهم. وبين ساعات العمل الطويلة ووحدة المساء، تبقى المسافة أكبر من أن تُختصر في مكالمة هاتفية.
قصص من قلب المعاناة
في ظل هذا الواقع، تتحدث القصص بصوتٍ أبلغ من أي وصف. فيختصر الشاب نبيل أحمد هذا الواقع بكلماتٍ موجعة: "لم أعد أفكّر في شيء سوى الهجرة. لا مستقبل هنا. نعمل ونتعب، وفي النهاية لا نعيش. الغربة صعبة، لكنها قد تكون أهون من هذا الواقع".
أما سامية، وهي عاملة خياطة في مدينة تعز وأم لسبعة أطفال، فتقول: "أظل لساعاتٍ طويلة أخيط، تتعب عيناي ويؤلمني ظهري، لكنني لا أستطيع التوقف. أطفالي يحتاجون إلى الطعام ومصاريف المدارس. أعمل طوال اليوم، ومع ذلك لا يكفي ما أجنيه لأبسط الاحتياجات، وليس لي إلا الصبر".
كما تروي فاتن سعيد، بائعة الخضار في أحد أسواق تعز، والتي تعيل أسرتها، حكايتها بصوتٍ مثقلٍ بالإرهاق: "منذ الصباح وأنا في السوق تحت الشمس، لكنني أتحمّل. كل يوم أقول: لعلّه يكون أفضل، لعلّي أعود بما يكفي لاحتياجات أسرتي. أعود إلى البيت متعبة، لكنني أخرج في كل صباح يوم جديد لأنه لا خيار آخر".
وعن عيد العمال، تؤكد فاتن أن عيدها كعاملة يكون عندما تعود محمّلة بالطعام لأطفالها.
واقع يغلب رمزية المناسبة
وفي الوقت الذي يحتفل فيه عمال العالم، ويجدون في هذا اليوم مساحة للتقدير والراحة، يبقى العامل اليمني منشغلاً بسؤال واحد: كيف يمرّ هذا اليوم؟ وكيف يؤمّن الغد؟
إن عيد العمال في اليمن لم يعد مناسبة للاحتفال، بقدر ما أصبح نافذةً تُطلّ على واقعٍ يحتاج إلى مراجعة جادة، وإلى حلولٍ تعيد للعامل حقه في حياة كريمة. فالعامل اليمني، رغم كل ما يواجهه، لا يزال يقف، يعمل، ويصبر، حاملاً أملاً بسيطاً بأن يتغير هذا المشهد يوماً ما. وإلى أن يتحقق ذلك، يبقى عيد العمال في اليمن حكاية وجع، تُروى بقلوبٍ متعبة، وصمتٍ طويل.














