تفاصيل الخطة السعودية لاستيعاب أحداث جنوب اليمن
الجمعه 09 يناير 2026 - الساعة 08:48 مساءً
المصدر : الرصيف برس - المدن - وجدي السالمي

في تحول دراماتيكي يعيد رسم خارطة السيطرة في الجنوب اليمني، شرع مجلس القيادة اليمني المدعوم من السعودية، في تنفيذ خطة شاملة تهدف إلى توحيد كافة القوات العسكرية تحت قيادة واحدة، وإنهاء تعددية السلاح، وذلك في أعقاب سلسلة من الضربات السياسية والعسكرية الحاسمة التي قصمت ظهر مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، وفقاً لمعلومات حصرية حصلت عليها "المدن".
وجاءت هذه الخطوة بعد أيام من موجة إجراءات صادمة شملت اتهام رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي بـ"الخيانة العظمى"، واستعادة السيطرة الكاملة على العاصمة المؤقتة عدن، وإقالة قيادات عسكرية ومدنية موالية للانفصاليين في شرق البلاد.
وكشف مستشاران في مجلس القيادة الرئاسي، لـ"المدن"، أن الترتيبات السياسية والعسكرية الجديدة، التي تم الاتفاق على ملامحها في الرياض، تهدف إلى إعادة تنظيم صفوف الحكومة الشرعية اليمنية من جذوره، ووضع حد لسنوات من التشرذم والولاءات المنقسمة، وتمهيد الطريق أمام مرحلة تمكين سياسي وعسكري وأمني لسلطات ومؤسسات الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً.
جيش واحد
وترتكز معالم الخطة الجديدة التي سيقودها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي مباشرة وبإشراف سعودي حصري، على عدة ركائز استراتيجية، تتمثل بتوحيد القوات المسلحة، من خلال تفكيك كافة التشكيلات العسكرية وإعادة توزيع مسرح عملياتها ودمجها بشكل كامل تحت مسمى "القوات المسلحة اليمنية" وبقيادة مباشرة من الرئيس العليمي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع، مع الحفاظ على عقيدة قتالية واحدة وعلم واحد وإنهاء أي تشكيلات عسكرية منفصلة أو خاضعة لولاءات أخرى.
ووفقاً للمصادر، فإن أي طرف سيعارض عملية دمج القوات العسكرية والأمنية سيُعامل باعتباره متمرداً خارج إطار الدولة، ولن يفلت من الملاحقة العسكرية والقانونية، في إطار توجه حازم لإنهاء تعددية السلاح.
وبالتوازي، من المتوقع تفعيل القوانين العسكرية والمعايير المهنية الصارمة في التعيينات الأمنية والعسكرية، مع إعادة مراجعة شاملة للتعيينات داخل هياكل وزارتي الدفاع والداخلية.
وقال مصدر حكومي خاص، لـ"المدن": "جيش واحد… لقد انتهى زمن تعدد الجيوش"، مضيفاً أن "مرحلة جديدة بكل تفاصيلها ورجالها وتحالفاتها قد بدأت". وأشار إلى أن تغير ميزان القوة سينعكس بسلسلة تغييرات واسعة، قد تطاول حتى القطاعات المدنية، ولا يُستبعد أن تقود إلى تشكيل حكومة جديدة كلياً خلال المرحلة المقبلة.
وتتضمن الخطة أيضاً توحيد القوات الأمنية في كافة المحافظات والمناطق المحررة لسلطة وزارة الداخلية في الحكومة اليمنية، ولن تُسمح بأي قوات خارج هذا الإطار. كما سيتم توحيد سلّم مرتبات جميع القوات لضمان المساواة.
وسيتم استعادة عدن كعاصمة فعلية ومركز فعلي للحكومة الشرعية لممارسة مهامها في إدارة شؤون الدولة، حيث ستعود إليها كافة مؤسسات الدولة الرئيسية بما فيها مجلس القيادة الرئاسي، ومجلس النواب، ومجلس الوزراء، لإنهاء حالة التضارب في القرارات.
وستقتصر قيادة التحالف العربي بشكل منفرد على السعودية، مع احتكار عملية التنسيق والتمويل مع الحكومة اليمنية، ومنع أي أنشطة سياسية تعرقل عمل الحكومة أو الجيش أو الأمن.
وستقدم الرياض دعم اقتصادي سعودي لإنعاش الاقتصاد وانتظام صرف الرواتب، مقابل تنفيذ الحكومة لإجراءات صارمة لاستعادة موارد الدولة والسيطرة عليها.
تنفيذ الخطة بدأ
ولا تنتظر هذه الخطة بدء التنفيذ، بل بدأت الحكومة الشرعية مساء الأربعاء 7 يناير/كانون الثاني 2026، تنفيذ هذه الخطة على الأرض، بإصدار سلسلة من القرارات السيادية، في خطوة وصفت بأنها "توجّه حاسم لإعادة ضبط مؤسسات الدولة".
وأصدر العليمي، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، حزمة قرارات بإقالات وتعيينات عسكرية واسعة طالت قيادات متهمة بالتواطؤ مع الانتقالي. وشملت القرارات إعفاء قائد المنطقة العسكرية الثانية في حضرموت اللواء طالب بارجاش، وقائد محور الغيضة في المهرة اللواء محسن مرصع، وإحالتهما للتحقيق.
وقالت المصادر إن هناك حزمة قرارات مرتقبة تشمل إزاحة كافة الشخصيات العسكرية والمدنية التي انحازت للمجلس الانتقالي الجنوبي، من المشهد السياسي والعسكري وإحالتها للتحقيق.
وكان القرار الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بإسقاط عضوية عيدروس الزبيدي وإحالته إلى النائب العام بتهمة "الخيانة العظمى"، يأتي في إطار هذه الخطة. وقال التحالف بقيادة السعودية أن الزبيدي "فر إلى مكان غير معلوم" بعد تحذيره بالحضور إلى الرياض. بينما نفت قيادات انتقالية هذه الرواية وأكدت أنه لا يزال في عدن.
ولم تكن هذه الخطة الطموحة وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لسلسلة من الضربات المنسقة التي بدأت بالحسم الميداني وامتدت إلى التصفية السياسية والقانونية للمجلس الانتقالي.
وفي مشهد يعكس انهياراً سريعاً، انسحبت قوات المجلس الانتقالي من مواقعها الحيوية في عدن جنوب البلاد وسلمت مواقعها لقوات "ألوية العمالقة" و"قوات درع الوطن" بما في ذلك القصر الرئاسي (قصر المعاشيق) ومطار عدن الدولي والمؤسسات السيادية الأخرى، دون مواجهات تذكر. وتم فرض حظر تجول شامل في المدينة.
استيعاب كتلة الجنوب
وفي تحول تكتيكي لافت، لم تكن الإجراءات قاصرة على الإقصاء، بل شملت أيضاً استيعاباً دقيقاً لعناصر من المجلس الانتقالي داخل هياكل الدولة. وجاء تعيين عبدالرحمن شيخ اليافعي - أحد المؤسسين الأوائل وأبرز القيادات في المجلس الانتقالي - محافظاً جديداً لعدن خلفاً لأحمد لملس الذي تمت إقالته وإحالته للتحقيق.
وجاء تعيين اليافعي، بحسب المصادر نفسها، بترشيح من عبدالرحمن المحرمي (أبو زرعة)، القائد الميداني البارز لألوية العمالقة وعضو مجلس القيادة الرئاسي الذي كُلّف شخصياً بفرض الأمن في عدن خلال الأزمة، تمهيداً لعودة مجلس القيادة والحكومة إليها قادمين من الرياض. ويعكس هذا التعيين لشخصية توصف بالبطل الشعبي لمعركة تحرير عدن من الحوثيين عام 2015، والمشارك في تأسيس قوات "الحزام الأمني"، المقرر أن تخضع لوزارة الداخلية، في إطار استقطاب كتلة داخل الجنوب بعيداً عن الزبيدي، تحت مظلة الدولة.
وتمثل هذه التحركات تتويجاً لاستراتيجية سعودية أكثر جرأة وحزماً بعد سنوات من "إدارة الأزمة". وتتولى الرياض الآن قيادة وإشراف التحالف العربي بشكل منفرد، مع احتكار عملية التمويل والتنسيق مع الحكومة اليمنية، وفقاً للتفاهمات.
دعم مالي سعودي
كما يتزامن المسار العسكري والسياسي مع وعد بدعم مالي سعودي كبير لإنعاش الاقتصاد اليمني وانتظام صرف الرواتب، شرط أن تقوم الحكومة بتحصيل موارد البلاد واستعادتها، وفق المصادر. والهدف النهائي المعلن هو أنه فور اكتمال توحيد المؤسسات، ستبدأ مرحلة جديدة وجادة لمفاوضات السلام الشامل.
ودفعت الرياض، مستفيدة من انقسامات داخلية وخارجية في صفوف خصومها، بأكثر خططها طموحاً لإنهاء حالة التمزق في معسكرها اليمني. يجمع المسار بين الحسم العسكري السريع، والعقاب السياسي والقانوني للانفصاليين، واستيعاب المعتدلين منهم، ووعود اقتصادية.
لكن، وبحسب مراقبين، سيكون توحيد جيش مشتتاً بين عشرات الولاءات التحدي الأكبر، والفشل فيه قد يفتح أبواباً لموجة جديدة من العنف، بينما قد يمهد النجاح الطريق أخيراً لتركيز الجهود في مواجهة التحدي الأبرز المتبقي: جماعة الحوثي التي تسيطر على الشمال وغالبية السكان.














