إرادة الأمة لا تنحني في المقاومة والتحرير وصناعة المستقبل (الحلقة الرابعة والأخيرة )

الاثنين 28 سبتمبر 2026 - الساعة 08:05 مساءً

 

 

       إن وحدة الكلمة هي اتفاقٌ على ما ينبغي أن يتقدم على حق الوطن في تقرير مصيره ، وعلى صيانة حدوده ، وعلى رفض التبعية ، وعلى حماية وحدته الوطنية ، وعلى اعتبار أن الخلافات الداخلية لا يجوز أن تتحوَّل إلى أبوابٍ مفتوحة أمام إضعاف الجبهة الداخلية .

 

     فلا يجوز أن تُستهلك الطاقات في معارك جانبية، بينما تتعرض القضايا الأساسية للاستنزاف ، ولا يجوز أن تتقدم الحسابات الخاصة على مقتضيات التحرر الوطني ، كما لا يجوز أن تصبح الخلافات السياسية حائلًا دون بناء الموقف الجامع الذي تفرضه ضرورات المرحلة .

 

      إن المعركة التي تتصل بالسيادة والتحرر الوطنيين ، ووحدة الأرض والإنسان لا تحتمل عقلية التجزئة ، ولا تُخاض بإرادات متنافرة ، ولا تُدار بردود الأفعال .

 

       إنها تحتاج إلى رؤيةٍ واضحةٍ ، وإرادةٍ شعبيةٍ واعيةٍ ، وصفٍ وطنيٍ جمهوريٍ متماسكٍ ، وإدراكٍ بأن ما يجمع أبناء الوطن والأمة بامتدادها الكبير أكبر من كل ما يفرقهم ، وأن المصير المشترك يمنياً وعربياً ليس فكرة عاطفية ، بل حقيقة تفرضها وحدة التاريخ ، وتشابك المصالح ، وترابط الأخطار ، ووحدة التطلعات إلى الحرية والكرامة والتحرير الوطني .

 

     ومن هنا فإن وحدة الصف ليست مجرد قيمة معنوية ، وإنما هي قوة سياسية وتاريخية ، إنها القدرة على تحويل التعدد إلى تضامن ، والاختلاف إلى إثراء ، والإرادات المتفرقة إلى موقفٍ جامعٍ .

 

     أما واحدية المعركة ، فهي أن ندرك أن معارك التحرر الوطني لا ينبغي أن تُعزل عن أفقها القومي ، وأن الدفاع عن الأوطان لا ينفصل عن الدفاع عن وحدة الأمة ، وأن صيانة القرار الوطني لا تكتمل إلا بوعي عميق بمقتضيات التضامن العربي المشترك ، وبأن أمن كل قطر واستقراره لا يمكن أن يكونا منفصلين تمامًا عن أمن الأمة واستقرارها .

 

      لقد آن الأوان للخروج من حالة الانتظار، ومن وَهْمِ أن الأخطار تتراجع من تلقاء نفسها ، ومن الاعتقاد بأن الزمن كفيل بتصحيح ما تفسده الانقسامات ، فالزمن لا يصنع الوحدة بدلًا عن الشعوب ، ولا يستعيد الإرادة الشعبية نيابة عن القوى الوطنية ، ولا يوقف مسار التحديات إذا ظلت الأمة تتعامل معها بعقلية ردود الفعل .

 

     إن المطلوب اليوم ليس مجرد رفع شعار الوحدة ، بل إعادة الاعتبار إلى مضمونها السياسي والتاريخي .

 

      ليس المطلوب الحديث عن التحرير الوطني بوصفه شعاراً مطاطياً لدى كثير من القوى التي ترحله وتستدعي بحسب هواها ومصالحها ، بل باعتباره حقًا متجددًا ومسؤولية مستمرة لا فكاك منه إلا منه به  .

 

     ليس المطلوب ترديد كلمة التحرير في الخطب والمناسبات ، بل الدفاع عن مضمونه في القرار والموقف والممارسة .

 

      وليس المطلوب استحضاروحدة  المصير المشترك لشعبنا اليمني كشعار ، بل إدراك أن وحدة المصير يظل أفقاً ضرورياً لكل مشروعٍ جادٍ في الحرية والتنمية والكرامة والسيادة الوطنية .

 

     فالوحدة لا تبدأ حين تنتهي الخلافات ؛ بل تبدأ حين تتقدم قضايا الوطن الكبرى عليها.

 

     ولا تُبنى الوحدة بإلغاء التعدد ، بل بإخضاعه لمنطق المصلحة الوطنية العليا .

 

       كما أن الإرادة الشعبية لا تُصان بكثرة الأصوات المتنازعة ، بل بقدرتها على إنتاج موقفٍ واضحٍ ، وهدفٍ مشتركٍ وفعلٍ منظمٍ .

 

      إن الشعوب التي تريد أن تكون صاحبة مصيرها مطالبةً اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى بأن تستعيد وعيها التاريخي ، وأن تدرك أن التحرير واستعادة الدولة ليس مجرد علم يُرفع ، ولا سارية تعانق السماء ، كما وليست حدوداً تُرسم ، بل إنه إرادةٌ سياسيةٌ لا تقبلُ الوصاية ، وقرارٌ وطنيٌ لا يُرتهن ، وكرامةُ شعبٍ لا تُساوَم ، ومؤسسات فاعلة تجسد روح القانون وتمثله في خدمة المجتمع والناس .

 

     إن التحرير الوطني لا يكتملُ ما لم يتحوَّل إلى وعيٍ بالتحرر القومي ، الذي تتهدده تحديات عابرة للحدود والأقطار ، وتستهدف كيانه وهويته وثرواته ومكتسباته ، وإلى إدراكٍ بأن وحدةَ الأمة ومصيرها كخيارٍ لابد منه ليست نقيضاً لخصوصيات أقطارها ، بل إطاراً أوسع لصيانة حقوقها وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات التي تحدق بها من كل صوبٍ .

 

      إننا بحاجة إلى وحدة كلمة تُعيد للثوابت مكانتها ، وإلى وحدة صفٍ تحمي الجبهة الوطنية الداخلية من التصدع ، وإلى واحدية معركةٍ تجعل من المصير المشترك أساسًا للفعل ، لا مجرد عنوان للخطاب والاستهلاك .

 

       فلتتقدم قضية الوطن والوطنية ، ولتتراجع الخصومات الصغيرة والمشاريع الأصغر ، ولتكن المصلحة الوطنية فوق كل اعتبارٍ أو خلافٍ أو مصلحةٍ ، ولتكن الإرادة الشعبية مصدر الشرعية والقوة ، ولتكن الحرية والاستقلال والتحرر الوطني غاياتٍ لا تقبل التمييع أو التأجيل أو التخادم والمراوحة .

 

       فحين تتوحد الكلمة ، تتماسك الجبهة ، وحين تتماسك الجبهة ، يستعيد الوطن قدرته وعافيته على الفعل المقاوم ، وحينها يصبح مصيره أقل ارتهاناً للآخر ، وأكثر اتصالاً بإرادته وتاريخه ، وحقه في أن يصنع مستقبله بنفسه .

 

     إن وحدة الكلمة اليوم ليست شعاراً للمستقبل ؛ بل إنها مسؤولية الحاضر ، وواحدية المعركة ليست شعاراً برجماتياً أو نمطاً من أنماط الترف السياسيي بالمقابل ؛ بل مقتضى المصير المشترك .

 

      قد تتأخر لحظة الانتصار، وقد تتعدد العقبات ، لكن العزائم الصادقة تعرف أن القضايا العادلة تحتاج إلى نفسٍ طويل ، وإلى تضحياتٍ واعية ، وإلى إيمانٍ لا تهزُّه العواصف .

 

      ليست قضية التحرير صفحةً عابرة في سجل التاريخ ، ولا حادثةً تنقضي بانقضاء ظرفها ؛ إنها قضية وطن ومصير شعب يدافع عن حقه في الوجود الحر، وعن كرامته الوطنية ، وعن حق أجيال في أن يرث وطنًا مصون السيادة ، واضح الهوية ، كريم المقام.

     وفي حياة الشعوب لحظاتٌ لا تقبل الحياد ، لحظاتٌ يصبح فيها الصمت موقفًا ، والتردد عبئًا ، والوعي مسؤولية.

     وحين تُمسّ كرامة الوطن فإن الواجب الوطني لا يعود شأناً فردياً أو خاصاً ، بل يصبح عهداً عاماً ، تتلاقى عنده الإرادات ، وتتراجع أمامه المصالح الضيقة .

 

       ولقد أثبت التاريخ أن إرادة الشعوب مهما تعرضت للضغط والحصار، تظل قادرةً على البقاء ما دامت متمسكةً بحقوقها ، واعيةً بواقعها، مؤمنةً بأن السيادة لا تُستعار، وأن الكرامة لا تُقايض ، وأن الوطن لا يُختزل في ظرفٍ عابر أو تسويةٍ مؤقتة ، أو في جماعة ٍ محكمةٍ أو مهيمنةٍ .

 

      المقاومة عنوان الإرادة الوطنية ، والمقاومة في معناها الأصيل ليست نزوةً عاطفيةً ، ولا اندفاعاً أهوج بلا حساب أو قياد .

 

      إنها تعبيرٌ عن رفض الظلم ، وتمسكٌ بالحق ، واستعدادٌ لبذل الجهد في سبيل قضيةٍ عادلةٍ .

 

     وهي قبل كل شيء وبعده ، وعيٌ بالمسؤولية الوطنية ، وإدراكٌ بأن القضايا الكبرى لا تُصان بالفوضى ، وإنما بالانضباط ، ووحدة الصف ، وحسن التدبير.

 

        إن الوطن الذي نريد أن تصنع مستقبله لا بد أن يجعل من الوعي حصنه الأول ؛ فالمعركة على الأرض لا تنفصل عن المعركة على العقل .

 

     وحماية الذاكرة الوطنية لا تقل شأناً عن حماية الحدود أوالجغرافية ، وصيانة الهوية ليست عملاً ثقافياً هامشياً ، بل هي من صميم الأمن الوطني ، وحق الأجيال .

 

     فلا تحرير لأرضٍ تُترك ذاكرتها للعبث ، ولا استقلال لإرادةٍ تُسَلَّم عقولها للآخرين ، فالتضحية واجبٌ لا استعراض .

 

      ولقد كانت التضحيات في تاريخ الأوطان والشعوب بل والأمم ، معياراً لصدق الانتماء ونبل المقاصد والغايات ، غير أن التضحية لا تعني إهدار الحياة ، ولا تمجيد الألم لذاته ، بل تعني أن يضع المواطن كل قدراته ووقته وجهده في خدمة الصالح العام ، وأن يتحمل نصيبه من أعباء المرحلة دون منٍّ أو انتظار مكافأةٍ أو استحقاق .

 

     إن الوطن لا ينهضُ بمن يكثرون الحديث عن الواجب ، بل بمن يؤدونه.

 

      ولا تُبنى الأوطان بالخطب وحدها ، بل بالعمل الدؤوب الذي لا يطلب التصفيق ، وبالصبر الذي لا يبحث عن الأضواء ، وبالإخلاص الذي يظل قائماً حتى حين تغيب الشهود .

      فالتضحيات العظيمة ليست دائمًا تلك التي تُعلن ، بل تلك التي تحفظ للأمَّةِ قدرتها على الاستمرار .

 

وحدة الصف  قانون النهوض .

 

       وإذا كانت المقاومة عنوان الإرادة ، فإن الوحدة الوطنية هي شرط الفاعلية ؛  فلا قضية كبرى تحتمل أن تُستنزف في الخصومات الصغيرة ، ولا وطن يستطيع أن يواجه التحديات فيما أبناؤه يتنازعون على ما ينبغي أن يجمعهم .

     إن وحدة الصف لا تعني إلغاء الرأي ، ولا مصادرة الاجتهاد ، وإنما تعني أن يظل الخلاف داخل حدود المصلحة الوطنية ، وأن تبقى راية الوطن أعلى من رايات الأشخاص والجماعات ، وأن يُدرِكَ الجميعُ أن الانقسام حين يتحوَّل إلى خصومةٍ دائمة ، لا يخدم إلا من يريد للأزمة أن تطول .

 

       الوطن فوق الأشخاص ، والمصلحة العامة فوق الحسابات ، والتاريخ لا يرحم المفرطين في وحدة الصف ، والتحرير بداية المسؤولية ، وليس التحرير خاتمة النضال ، بل بداية مرحلةٍ جديدةٍ من المسؤولية ؛ فاستعادة الأرض لا تكتمل إلا باستعادة قدرة الدولة على البناء ، واستعادة المواطن لثقته بالقانون ، واستعادة المجتمع لحقه في الأمن والتعليم والعمل والعدالة .

 

      إن السيادة التي لا تحمي الإنسان تظل ناقصة المعنى. والحرية التي لا تتحول إلى مؤسساتٍ عادلة تبقى وعداً مؤجلاً ، والنصر الذي لا يؤسس لمستقبلٍ مستقرٍ يظل عرضةً للانتكاس .

 

        ومن هنا ، فإن معركة التحرير ينبغي أن تقترن بمعركة البناء ، بناء الإنسان. بناء المؤسسة ، بناء الاقتصاد ، بناء الثقة الوطنية .

       فالأوطان لا تُصان بالرايات وحدها، وإنما بما تقيمه تحت تلك الرايات من عدلٍ ونظامٍ وكرامةٍ .

 

رسالة إلى الأجيال .

 

      إن الأجيال التي ترث قضايا التحرر لا تُطالب بتكرار الماضي بحذافيره ، بل بفهم دروسه ، وصون تضحياته ، وتصحيح أخطائه ، وتحويل الذاكرة إلى مشروعٍ للمستقبل.

 

       فليس الوفاء لمن ضحوا أن نكتفي بتمجيد أسمائهم ، وإنما أن نجعل من تضحياتهم أساساً لوطنٍ أكثر عدلاً ، ومجتمعٍ أكثر تماسكاً ، ودولةٍ أكثر قدرةً على حماية أبنائها .

 

      وليس أعظم من أن تبقى قضية الحرية مرتبطةً بالمسؤولية ، وأن تظل الكرامة الوطنية مقرونةً باحترام الإنسان، وأن يتحوَّل النضال من مجرد موقفٍ احتجاجي إلى مشروعٍ حضاريٍ متكاملٍ .

وختاماً نقول : 

      إن إرادة الأمة لا تُقاس بما تواجهه من عواصفٍ ، بل بما تبديه من قدرةٍ على الثبات ، ولا تُقاس بكثرة الشعارات ، بل بصدق العمل . ولا تُقاس بارتفاع الأصوات ، بل بوضوح الغاية .

 

       فلتظل الذاكرة حية ، ولتبقَ وحدة الصف مصونةٌ ، ولتكن التضحية فعلَ وعيٍ ومسؤوليةٍ ، وليكن التحرير طريقاً إلى دولةٍ تحفظ الكرامة وتصون العدالة .

 

      ( إن الحق بغير قوةٍ حق صائعٌ ) ، والحق لايبلى ولايشيخ ، والكرامة لا تُؤجَّلُ إلى الأبد ، وإرادة الشعوبِ حين تتحدُ حول غايتها تظلُ أقوى من كل محاولات الإخضاع .

 

 

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس