إعادة الإعتبار للثقافة..

الجمعه 22 مايو 2026 - الساعة 11:13 مساءً

 

عندما نطرح أسئلة بديهية عن المشروع الثقافي الوطني ، والخطاب الثقافي ، والرؤية الإستراتيجية ، نكتشف أننا أمام فراغ مؤسسي لايمكن تجميله .

 

والمشكلة التي أفرزها الواقع ، هي أن الثقافة تُعامل بسطحية واستخفاف ، وتصنف في دهاليز واروقة الحكومة ،بأنها مجرد نشاط ترفيهي موسمي ورقم هامشي يوضع في آخر بند للموازنة .

وبذلك يتجاهلون حقيقة الثقافة ودورها كقوة ناعمة توجه الرآي العام وتحدد مساراته ، وتشكل الواقع وتعيد بناء النسيج الإجتماعي .

 

▪︎الإشكالية ..

الحقيقة أن البنى التحتية للثقافة منهارة وتكاد تكون منعدمة ، ومنذ 2015 تعرض ماتوفر من هذه البنية الثقافية في تعز واليمن لإنهيار مضاعف :

▪︎تدمير مادي .

▪︎تدمير بشري تمثل بهجرة ونزوح الفنانين والمثقفين، وقطع توريث الخبرة .

▪︎تدمير مفاهيم : 

إختزال الثقافة بحفلات موسمية في المناسبات .

 

النتيجة : فراغ قيمي إستغله التطرف وتسلل منه ، في ظل تراجع قدرة الدولة والمجتمع على إنتاج خطاب ثقافي وطني متماسك .

 

▪︎مفهوم الثقافة ..

 

الثقافة فعل مستمر يعمل على بناء مشروع تراكمي لمنظومة متكاملة من القيم والمعارف والفنون والآداب واللغة والعادات وأنماط السلوك التي ينتجها المجتمع ويتناقلها الأجيال .

وهي القوة الناعمة التي تشكل وعي المجتمع ، وتستقيم الثقافة على ثلاث دوائر :

 

▪︎الدائرة الصلبة ..

 وهي القيم والمعتقدات والهوية والتاريخ واللغة ، التي تشكل شخصية المجتمع وتطلعاته وتحدد خطوطه الحمراء .

 

▪︎الدائرة المتوسطة .. 

التعليم والبحث العلمي والفنون بأشكالها ، والآداب بأنواعها ، والحرف .

وهي وسائل التعبير عن القيم .

 

▪︎الدائرة المرئية ..

وهي كل ماتنتجه الثقافة من فنون وآداب وفعاليات ثقافية مختلفة، مهرجانات ، مؤتمرات إحتفالات ، وكرنفالات . 

وهي النتيجة الطبيعية المعبرة عن مضامين الدائرتين الصلبة والمتوسطة .

 

واذا كانت الدائرتين الصلبة والمتوسطة هشّة، ستكون المهرجانات وكافة الفعاليات ،مجرد ضجيج بلا معنى، إما إذا كانت الدائرتين الأولى والثانية دوائر صلبة، ستكون المهرجانات والفعاليات الثقافية تعبير حي عنها ، فإن أي بناء سياسي صلب يستقيم على قاعدة ثقافية صلبة ، وأي بناء سياسي هش قائم على قاعدة ثقافية هشة .

 

▪︎مهام وزارة الثقافة ..

 

الهشاشة الثقافية هي التي تُمهّد الطريق للإستلاب الفكري والتطرف ، وإختزال الثقافة إلى مجرد متعهد حفلات، هو إعدام للوعي .

 

إن وزارة الثقافة ليست متعهد حفلات ولا هي شركة لتنظيم الفعاليات ،بل أن دورها الأساسي هو ، خلق الوعي وحماية وبناء وتطوير البنية الثقافية للدولة والمجتمع ، وتتوزع مهامها على 4 محاور :

 

1. صياغة السياسة الثقافية الوطنية ..

- بإعتماد وثيقة وطنية جامعة تحدد من نحن ؟ وإلى أين نتجه ؟ وماهي القيم التي نريد ترسيخها ؟ وماهي خطوطنا الحمراء ؟

 

- تحديد أولويات ثقافية واضحة قابلة للقياس ولها زمن وميزانية .

 

2. بناء الحاضنة الثقافية ..

- المدرسة والجامعة والمراكز الثقافية والمكتبات والمسارح ودور السينما والمتاحف ، وهذه هي المصانع التي تنتج المبدعين وتصنع الجمهور .

 

- حماية الحصون والقلاع الأثرية، والتراث المادي وألا مادي ، والحفاظ على المخطوطات والمباني الأثرية .

 

3. رعاية الإنتاج والإبداع ..

 

- دعم ورعاية المبدعين والمؤسسات الثقافية .

- خلق بيئة قانونية ومالية تحمي وتشجع الصناعات الإبداعية ، السينما، المسرح، الموسيقى، النشر، الحرف، بإعتبارها إقتصاد حقيقي تنموي يدعم الإقتصاد الوطني ويوفر فرص عمل للشباب .

 

4. إدارة الحوار المسؤول وبناء الهوية الوطنية الجامعة ..

- الثقافة هي الفضاء الذي يلتقي فيه المختلفون ، ومهمة الوزارة توفير منصة لإدارة حوار يحترم التنوع ويؤمن بمبدأ القبول بالآخر المختلف ، ويمنع خطاب الكراهية والتطرف .

- إنتاج خطاب وطني جامع يربط الناس بوطنهم وقضايايهم الوطنية وتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم .

 

إن إعادة الإعتبار للثقافة ، تبدأ من الإرادة السياسية التي يجب أن تدرك ، أن تحرير الأرض مهمة سهلة قياساً بمهمة تحرير العقول ،وأن قيمة الدبابة والمدفع تنتهي بإنتهاء المعركة، أما حصانة الوعي والفكر فهي التي تحمي الوطن من السقوط .

 

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس