تحرير الدولار الجمركي: حدود الإصلاح بين النظرية والواقع

الاربعاء 20 مايو 2026 - الساعة 02:03 صباحاً

 

قرار تحرير سعر الدولار الجمركي يُعد خطوة (مالية–نقدية) مؤثرة، خصوصًا بعد سلسلة الإصلاحات الأخيرة والتي أعطت إشارات إلى محاولة: توحيد وتحسين إدارة الموارد، وضبط و تشديد الرقابة على الإنفاق، ومحاولات استعادة مركزية القرار المالي و دور المؤسسات المالية الرسمية، وتفعيل أدوات السياسة النقدية.

 

في الحالة اليمنية تحديدًا، المشكلة الأعمق ليست فقط في أثر سعر الصرف الجمركي، بل: ضعف دوران النقد بين الدولة والاقتصاد، وتسرب السيولة خارج النظام الرسمي.

وعلية: التحرير الجمركي ليس إصلاحًا إقتصادياً، بل هو أداة ستقودنا نحو مسارين :

- خطوة نحو إعادة بناء المالية العامة.

- صدمة تضخمية جديدة.

والفارق بين المسارين يتوقف على: هل الدولة قادرة فعلًا على إعادة تشغيل “الدورة المالية–النقدية” أم لا.

 

▪️ إعادة بناء المالية العامة 

 

▫️ زيادة الإيرادات العامة دون الحاجة الي مصادر تضخمية كالطباعة أو الاقتراض من السوق، وهذا مهم جدًا في اليمن لأن الاختلال الأساسي خلال السنوات الماضية كان: ضعف تدفق الإيرادات مقابل توسع الالتزامات.

وعلية: في حال استُخدمت الإيرادات بشكل فعال ومباشر لتمويل النفقات الحقيقية (رواتب، خدمات، كهرباء)، فقد يساعد القرار في إعادة جزء من الدورة النقدية إلى الاقتصاد.

 

▫️ تقليص التشوه بين السعر الرسمي وسعر السوق، ويجعل: التكلفة أقرب للواقع،و البيانات الجمركية أكثر دقة، و الإيرادات السيادية أكثر واقعية، لأن السعر الجمركي المنخفض جدًا كان يخلق:

دعمًا غير مباشر للمستوردين الكبار، و فرص مضاربة وفساد، و تشوهًا في التسعير، و عدم العدالة بين التجار.

 

▫️ تحسين قدرة الدولة على استعادة دورها المالي، إذ تكمن المشكلة في تآكل قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات و إعادة ضخها في الاقتصاد، و إدارة السيولة.

فإذا ما نجحت الحكومة في: توريد الموارد، و السيطرة على التسرب، و توجيه الإنفاق داخليًا، فإن القرار سوف يساعد على: إعادة تحريك الدورة الاقتصادية بدل بقاء السيولة مكتنزة خارج النظام.

 

▫️ الحد من الاستيراد العشوائي نسبيًا فارتفاع التكلفة الجمركية سوف يضغط على واردات السلع الكمالية، و يقلل الطلب على السلع غير الضرورية، وبالتالي يخفف الضغط على طلب العملة الأجنبية، و لكن هذا الأثر محدود لأن اليمن يعتمد أساسًا على الاستيراد للسلع الأساسية.

 

▪️ الصدمة التضخمية 

 

▫️في حال إرتفاع الأسعار بمقدار أسرع من التحسن في الدخل، سوف يدخل البلاد بموجة تضخمية سؤاء مؤكدة أو مُقنعة، و هذا هو الأثر الأسرع والأوضح، لأن اليمن اقتصاد استيرادي، فإن أي رفع في التكلفة الجمركية ينعكس مباشرة على: ( الغذاء، الدواء، النقل، مواد البناء، السلع الاستهلاكية).

حتى وإن كانت هذ الرسوم ضئيلة على السلع الأساسية أو تكاد تكون شبه معفية، فالسوق اليمنية أعتادت أن تنقل أي زيادة إلى المستهلك النهائي بسرعة كبيرة.

 

▫️ إذا لم يترافق الخطوة مع: [ صرف رواتب منتظم، و زيادة النشاط الاقتصادي، و تحسين وتحرير السيولة، أو دعم اجتماعي]، فسيؤدي ذلك إلي تآكل القوة الشرائية، وتحميل المواطن التكلفة مباشرة، ما ينتج عنه : انكماش الطلب ، والركود التجاري، و زيادة معدلات الفقر.

 

▫️ نظريًا زيادة الإيرادات تدعم الاستقرار، لكن عمليًا قد يحدث العكس في حال : 

- زادت الحاجة للاستيراد بالدولار.

- ارتفعت توقعات التضخم.

- فقد السوق الثقة بالإصلاحات.

- عدم دخول الإيرادات إلى الدورة الاقتصادية.

وتكون النتيجة فقدان السيطرة على استقرار سعر الصرف، لأنه في اليمن “التوقعات النفسية” تؤثر بشدة على سعر الصرف.

 

 ▫️التأثير غير المتوازن على التجار، فغالبا التجار الكبار يستطيعون، تمرير التكلفة، أو امتصاص جزء منها، أما صغار المستوردين والتجار فقد يتضررون أكثر، وهذا قد يزيد من تركز السوق بيد قلة من التجار.

 

⭕  العامل الحاسم: ماذا سيحدث بالإيرادات؟

 

بعيداً عن إختزال الأمر في: هل القرار جيد أم سيئ؟

 يجيب الإنتقال إلي الأهم وهو "ضمن أي بنية مالية ونقدية جاء القرار؟" 

 

 تأثير القرار يعتمد على نقطة أساسية: هل هذا التحرير ضمن “إصلاح متكامل” أم هو إجراء إيرادي منفصل؟ لأنه هذا قد يحوله إلى عبء تضخمي، أما إذا كان ضمن إعادة بناء الدورة المالية–النقدية فقد يحمل بعض الآثار الإيجابية على المدى المتوسط.

 

إذا ذهبت الإيرادات إلى: تغطية عجز مستمر،و تسربات مالية، والاكتناز خارج الدورة الاقتصادية، فإن النتيجة ستكون: تضخم أعلى دون إصلاح فعلي.

 

أما في حال استُخدمت في: إعادة انتظام الرواتب، و التمويل المباشر للخدمات،

و تقليل طباعة النقد، و تنشيط الدورة المالية الرسمية، فقد يكون القرار جزء مهما من استعادة الاستقرار النقدي تدريجيًا.

 

لذلك يمكن قراءة القرار كجزء من، “رفع الإيرادات الحقيقية للدولة بدل الاعتماد على التمويل التضخمي”، و لكن نجاحه سيعتمد على 4 شروط:

- عدم المبالغة في رفع السعر الجمركي بسرعة.

- حماية السلع الأساسية.

- إعادة ضخ الإيرادات داخل الاقتصاد المحلي.

- تعزيز الثقة باستقرار السياسة الاقتصادية.

 

⭕  القرار بين النظرية و الواقع 

 

▫️ الحكومة رفعت الدولار الجمركي لتحسين الإيرادات، وفي نفس الوقت أعلنت بدل غلاء معيشة يقارب 20% من المرتبات وصرف العلاوات والزيادات المتاخرة، رغم أنها أصلًا عاجزة عن دفع المرتبات بانتظام.

 

وهذا يفتح سؤالًا مهمًا: هل الحكومة تراهن على أن زيادة الإيرادات الجمركية ستغطي هذا الالتزام الجديد؟ أم أنها تحاول امتصاص الصدمة الاجتماعية سياسيًا قبل تحقق الإيرادات فعليًا؟

 

أما اقتصاديًا، فيعني توافر تقديرات لدى الحكومة بارتفاعًا سريعًا في الإيرادات إذا كانت التقديرات الحكومية مبنية على:

[ توحيد الموارد + تشديد التحصيل+ تقليل التهريب + رفع القيمة الجمركية ] 

فهي هنا تكون تراهن على قفزة إيرادية تسمح بتمويل: [ جزء من الرواتب + بدل غلاء المعيشة + تقليل العجز النقدي] 

 

و لكن المشكلة أن الإيرادات الجمركية لا تعتمد فقط على “السعر الجمركي”، بل على:

- حجم الواردات الفعلي

- كفاءة التحصيل

- السيطرة على المنافذ 

- منع التسرب والفساد 

- حجم الطلب المحلي.

 

فإذا كان الطلب الأن أصلاً ضعيفًا بسبب تآكل الدخول، وتوقف الإنفاق الحكومي، فإن رفع التكلفة قد يؤدي إلى زيادة في انخفاض الواردات أو تباطؤها، وبالتالي قد تكون الزيادة الفعلية في الإيرادات أقل بكثير من المتوقع.

أي أن الحكومة قد تقع في مفارقة: ترفع الرسوم لزيادة الإيرادات، لكن الركود وانكماش الطلب سوف يقللان القاعدة التي تُحصَّل منها هذه الرسوم.

 

▫️ اعتماد صرف بدل غلاء المعيشة قد يكون اعترافًا ضمنيًا بتوقع التضخم وهذه نقطة مهمة جدًا، فعندما تعلن الحكومة بدل غلاء مباشرة مع قرار سيؤدي غالبًا لارتفاع الأسعار، فهذا يعني ضمنيًا أنها تتوقع موجة تضخمية، أو على الأقل تدرك أن السوق سيفسر القرار كتضخم قادم.

 

 الخطر هنا يكمن في أن: الأسواق في اليمن تتفاعل نفسيًا بسرعة شديدة، أي أن التاجر لا ينتظر ارتفاع التكلفة الفعلية، بل يسعّر على أساس: توقعات الدولار، توقعات الرسوم، وتوقعات التضخم القادم.

ولهذا قد يحدث: “تضخم استباقي” أكبر من الأثر الحقيقي للرسوم نفسها.

 

▫️ المشكلة ليست فقط في الإيرادات، وإنما في “دوران الإيرادات” وهذه ربما أهم نقطة في كل النقاش، إذ حتى وإن ارتفعت الإيرادات الجمركية فعلاً، فإن أثرها الاقتصادي سيظل محدودًا إذا لم تُصرف كرواتب وإنفاق محلي، أو إذا بقيت مجمدة ولم تتحرر السيولة، أو إذا تسربت خارج الدورة الرسمية، أو ذهبت لتغطية التزامات لا تعود للسوق المحلي.

 

▫️ الاقتصاد اليمني اليوم لا يعاني فقط من نقص الموارد، بل من: ضعف سرعة دوران النقد، أي أن السيولة موجودة جزئيًا، لكنها: مكتنزة،أو خارج النظام المصرفي ولا تعود للدورة الاقتصادية بصورة منتظمة.

ولهذا قد ترتفع الإيرادات “محاسبيًا”، بينما قد يبقى السوق في حالة ركود نقدي فعلي.

 

هناك تناقض بين “الإصلاح الإيرادي” و”ضعف الدولة التشغيلية” يضعنا أمام نقطة دقيقة جدًا: ما جدوى رفع الدولار الجمركي إذا كانت الدولة أصلًا لا تسيطر بالكامل على الإيرادات؟

وهذه فعلاً إحدى التعقيدات الأساسية، لأن نجاح أي إصلاح ضريبي أو جمركي يحتاج:

جهاز تحصيل فعّال،و مؤسسات مستقرة،و رقابة فاعلة، وقاعدة امتثال جمركي واسعة.

 

أما إذا كان: جزء من الإيرادات لا يُورَّد، وهناك تهرب ضريبي وجمركي يفوق معدل 40% ،  وتعدد مراكز النفوذ، وضعف قدرات الدولة التنفيذية، فقد يتحول القرار إلى: زيادة تكلفة على الاقتصاد النظامي فقط، بينما الاقتصاد غير الرسمي أو المتهرب يواصل العمل بأقل تكلفة.

وهذا يخلق: منافسة غير عادلة، ويزيد الضغط على القطاع الملتزم أصلًا.

 

الخلاصة 

 

من الناحية النظرية القرار كان يجب أن يأتي لاحقًا،و كان من الأفضل أن يأتي ضمن حزمة متزامنة تشمل: [ انتظام الرواتب، وتحسين السيولة، وإصلاح مصرفي، وتوسيع التحصيل،و مكافحة التهرب، وتحفيز النشاط الاقتصادي] .

 

لكن من جهة أخرى، قد تكون الحكومة ترى أنها: لا تستطيع تأجيل تصحيح التشوهات أكثر، خصوصًا أن استمرار السعر الجمركي المنخفض يعني: دعمًا غير مباشر للاستيراد، واستنزافًا للإيرادات، و إتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي.

 

أي أن الحكومة ربما اختارت: “تصحيح التشوه الآن، ثم محاولة احتواء الآثار لاحقًا”، و لكن هذا الخيار يحمل مخاطرة مرتفعة في اقتصاد هش مثل اليمن.

 

نستطيع القول أن المشكلة اليمنية لم تعد مجرد: سعر صرف، أو عجز موازنة، أو نقص سيولة، بل أصبحت أزمة: تفكك العلاقة المالية بين الدولة والاقتصاد.

 

الدولة لا تجمع الإيرادات بكفاءة كاملة، ولا تعيد ضخها بانتظام، والسيولة لا تدور بصورة طبيعية، والثقة ضعيفة، والقطاع الخاص يسعّر على أساس المخاطر لا على أساس التكلفة الفعلية.

 

لذلك فإن تحرير الدولار الجمركي قد ينجح جزئيًا في: تصحيح التشوهات وزيادة الإيرادات، لكنه لن يكون كافيًا وحده لاستعادة الاستقرار، ما لم يُترجم إلى عودة حقيقية للدورة (المالية–النقدية)، داخل الاقتصاد.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس