الحلال على المقاس

الاثنين 18 مايو 2026 - الساعة 07:35 مساءً

 

كيف تحوّل الدين عند بعض المجتمعات إلى “تطبيق خدمات” للمصالح الشخصية؟

في عالمنا العربي، لم يعد الدين عند البعض عقيدة تهذّب الإنسان، بل صار مثل “بطاقة متعددة الاستخدامات”.

تحتاج منصبًا؟ هناك فتوى.

تريد حربًا؟ هناك حديث جاهز.

تبحث عن تبرير للسرقة؟ ستجد شيخًا يشرح لك أن “الظروف استثنائية”.

أما إذا كنت فقيرًا، جائعًا، مسحوقًا، فسيقال لك بابتسامة روحانية: “اصبر… فإن الله يحب الصابرين.”

وكأن الصبر في أوطاننا صار مشروعًا وطنيًا أكبر من النفط والغاز والتعليم والصناعة.

المشكلة ليست في الدين، بل في أولئك الذين حوّلوه إلى “ريموت كنترول جماهيري”.

زرّ للحلال، وزرّ للحرام، وزرّ للتخوين، وآخر للتكفير، وكل الأزرار بيد من يملك المال أو السلطة أو الميكروفون.

في بعض المجتمعات “المتأسلمة”، الحلال والحرام لا يصدران من ضمير أو قيمة أخلاقية، بل من اتجاه المصلحة السياسية.

إذا كان الشيء يخدم الجماعة فهو حلال ولو دمّر الوطن،

وإذا عارض مصالحهم صار حرامًا ولو أنقذ الناس من المجاعة.

تجد السياسي يصرخ ضد الفساد صباحًا، ثم يوقّع عقد نهب مساءً.

ويتحدث عن العفة وهو يعيش في بذخ يكفي لإطعام مدينة كاملة.

ويحاضر عن الزهد بينما ساعته وحدها تساوي رواتب مئات الموظفين.

 

المشهد أشبه بمسرحية سوداء: خطيب يلعن الدنيا فوق منبر مذهّب، وسياسي يدعو للتقشف من داخل موكب مدرّع، ومسؤول يطالب الشعب بالصبر بينما أبناؤه يدرسون في أوروبا، ويأكلون ما لا يعرف المواطن حتى أسماءه.

 

أما المواطن البسيط، ذلك الكائن المرهق الذي طحنته الحروب والأسعار والخطب، فقد أصبح يعيش بين فتويين: فتوى تمنعه من التفكير، وأخرى تمنعه من السؤال.

 

حتى العقل صار عند البعض “بدعة”، والنقد “خيانة”، والتفكير المستقل مؤامرة خارجية.

والأكثر سخرية أن هذه المجتمعات قد تحفظ آلاف النصوص، لكنها تفشل في إدارة طابور خبز أو بناء مدرسة أو احترام إشارة مرور.

 

ترفع شعارات الأخلاق، بينما الرشوة تمشي أسرع من سيارات الإسعاف.

تتحدث عن الفضيلة، لكنها تصمت أمام الظلم إذا كان الظالم “من جماعتها”.

 

لقد تحوّل الدين عند تجار السياسة إلى شركة استثمار كبرى: قسم للفتاوى، وقسم للتحريض، وقسم لغسل السمعة، وقسم لتخدير الشعوب بعبارات من نوع: “لا تثيروا الفتنة.”

 

أما الفتنة الحقيقية — الفقر، الجهل، الفساد، سرقة الأوطان — فلا أحد يريد الاقتراب منها، لأنها ببساطة تمسّ مصالح الكبار.

المؤلم أن الشعوب نفسها أحيانًا تشارك في هذا العبث.

فالكثير لا يبحث عن الحقيقة، بل عن شيخ يبارك له ما يريد فعله أصلًا.

يريد الكراهية؟ سيجد من يغذّيها.

يريد العنف؟ سيجد من يقدّسه.

يريد الصمت؟ سيجد من يلبسه ثوب الحكمة.

 

وهكذا يتحول الدين من رسالة عدل ورحمة إلى أداة إدارة جماهير، ويصبح الإنسان مجرد “مستخدم” داخل نظام طويل من الخوف والطاعة والتصفيق.

وفي النهاية، لا تسقط الأمم حين يقلّ المتدينون، بل حين يكثر المتاجرون بالدين.

لأن أخطر لص ليس من يسرق المال فقط، بل من يسرق وعي الناس باسم السماء.

 

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس