أسود الشعر الشعبي..
الاحد 10 مايو 2026 - الساعة 11:13 مساءً
في البيضاء ويافع وابين لم يكن الشعر الشعبي يوما ترفا لغوي او مجرد لون من الوان التسلية بل ظل عبر الزمن مؤسسة وعي حقيقية ولسان مجتمع يتكلم حين تصمت المنابر الرسمية أو تزور الحقائق.
فهذا الشعر لم يهبط من صالونات الثقافة ولا من مكاتب السياسة المرتبطه بحسابات بل خرج من قلب الناس من السوق والمجلس والبادية والجبهة يحمل هم المجتمع وقلقه وغضبه وآماله ولذلك اكتسب مكانته كاصدق مراة للراي العام واقرب مفاتيح فهم الواقع الاجتماعي والسياسي والوطني.
في هذه البيئات القبلية والاجتماعية لم يكن الشاعر مجرد قائل أبيات بل كان في أحيان كثيرة موقفا سياسيا قائما بذاته وصوت جامعا واصدق قراءة للمشهد يلتقط ما يشعر به الناس قبل أن تقوله البيانات والخطب اذا قالت .
ومن هنا جاءت الردود والمساجلات الشعرية بين الشعراء وكانها حوار مجتمع كامل قصيدة تشعل قضية وأخرى ترد عليها وثالثة ترجح المزاج العام وتحسم اتجاهه.
ولهذا بقي للشعراء رموزهم وأسودهم الذين لم يصنعهم الإعلام ولا السلطة بل صنعتهم ثقة الناس وقوة الكلمة وصدق الموقف.
فاسماء مثل ثابت عوض والخالدي وأبو درة وأبو حمدين وأبو روعه وغيرهم كثير لم تصبح حاضرة في الوجدان الشعبي بسبب الشهرة وحدها بل لان الناس رات في قصائدهم تعبيرا صادق عنها وعن قضاياها ومواقفها.
ولان الشعر هناك جزء حي من الوعي اليومي فقد تحول كثير منه إلى أغاني شعبية تتناقلها المجالس والسيارات والباصات والاسواق والاعراس والجبهات فتزداد حضوره وتاثيره.
ويبرز هنا صوت الفنان علي صالح اليافعي وغيرها الكثير الذي نقل كثيرا من هذا الشعر إلى الذاكرة الشعبية المغناة فصار البيت الشعري يعيش عمر أطول ويتحول الى وجدان عام يردده الناس كما لو انه جزء من سييرتهم اليومية.
وحين تريد ان تفهم كيف يفكر الناس في البيضاء أو يافع أو ابين تجاه حدث سياسي او قضية وطنية فلن يكفيك غالبا خطاب المسؤولين او بيانات الأحزاب ومواقفهم بل تحتاج ان تسمع ماذا قال الشعراء وكيف ردت القبائل وما الذي تردد في المجالس والاسواق.
فهناك يظهر الراي الحقيقي بلا تجميل وهناك تتكشف موازين القبول والرفض والهيبة والسقوط.
ولذلك يمكن القول ان الشعر الشعبي في هذه المناطق لم يكن مجرد ارث ثقافي بل ظل شكل من أشكال التعبير السياسي والاجتماعي ووسيلة لحفظ الهوية وميزان حساس لنبض الشارع حتى بدا احيان وكانه البرلمان الشعبي الوحيد الذي لا يزال الناس يثقون به.
فقد ترفع قصيدة واحدة شأن رجل أو تُسقط هيبته أو تصلح بين خصوم أو تشعل موقف عام الان الناس هناك لا تتعامل مع الشعر ككلمات عابرة بل كقيمة وموقف وشهادة أمام المجتمع والتاريخ














