حين يقلد النقابي صورة رئيسه كما يقلد المراهق صورة مايكل جاكسون
السبت 02 مايو 2026 - الساعة 01:08 صباحاً
في ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن مايكل جاكسون مجرد فنان كان نموذجا نفسيا كاملا للإسقاط والتماهي. ملايين المراهقين لم يكتفوا بالاستماع إلى أغانيه، بل أعادوا تشكيل أنفسهم على صورته . لم يكن ذلك اختيارا واعيا بقدر ما كان استجابة نفسية عميقة لمرحلة عمرية تبحث عن هوية جاهزة عن قالب يختصر الأسئلة الكبرى من أنا؟ وكيف أكون؟.
هذه الظاهرة لا تقف عند حدود ثقافة بعينها ، بل تتسل بصورة أكثر خطورة إلى المجال النقابي، خصوصا في مراحل التأسيس فالنقابة الناشئة ككائن في طور التكوين، تمر بما يشبه لمراهقة التنظيمية اندفاع جرأة، حيوية ، وقدرة على تحقيق قفزات سريعة.
غير أن هذه الطاقة، رغم أهميتها، قد تنقلب إلى عامل هدم إذا لم تؤطر ضمن عمل مؤسسي منظم يقوم على القوانين اللوائح والأعراف النقابة .
المشكلة تبدأ حين تختزل هذه الحيوية نفسها في شخص لا في فكرة . حين يتحول العمل النقابي من مشروع جماعي إلى سيرة فرد ، ومن مؤسسة إلى ظل قائد فاقد للوعي النقابي ، هنا يظهر التماهي المرضي ، لبعض القيادات الدنيا والوسطية، بل وأحيانا العليا ، لا تعود ترى في النقابة كيانا قانونيا تحكمه لوائح وقوانين وأعراف ، بل امتدادا نفسيا للقائد الواحد . ومثلما كان المراهق يقلد مايكل جاكسون دون وعي، يقلد النقابي غير الناضج رئيسه في الأكاذيب و تبرير الأخطاء.
في هذه الحالة، لا يعود القائد مجرد مسؤول إداري ضمن هيئة إدارية ، بل يتحول إلى هوية. ويغدو أي نقد له، أو مساءلة لسلوكه، تهديدا وجوديا للنقابة ذاتها ، تتماهى المؤسسة مع الشخص إلى درجة أن فكرة تغييره حتى لو غرق في الفساد يفسر من قبل البعض بأنه استهداف للنقابة، لا كتصحيح لمسارها. وهنا تبلغ المراهقة التنظيمية ذروتها ، الخلط بين الولاء للفكرة والولاء للفرد.
هذا التماهي ليس بريئا إنه نتاج فراغ ، لغياب الوعي النقابي، وضعف الثقافة المؤسسية، وانعدام التربية على العمل الجماعي. في ظل هذا الفراغ ، يبحث الأفراد عن يقين سريع، عن رمز يختصر التعقيد فيجدونه في الرجل الأول ومن هنا تبدأ عملية الاختزال ، تختزل القيم في شخص، واللوائح في مزاج ، والقرار في إرادة فرد.
لكن هذه المعادلة تحمل بذور فنائها. فالنزعات الفردية، مهما بدت لامعة في البداية، لا تنتج استمرارية. إنها مثل ومضة المراهق سريعة، حادة لكنها قصيرة العمر . وعندما تدار النقابة بهذه الروح، تتحول إلى بنية هشة ، صراعات داخلية ، قرارات ارتجالية، وانقسامات تنخر الجسد من الداخل. ومع الوقت، لا يبقى من القفزة الأولى في فترة التأسيس ، سوى أثر باهت، لأن ما لم يبن على قواعد وعمل مؤسسي ، لا يستطيع أن يصمد أمام الزمن.
العمل النقابي، في جوهره، هو نقيض هذا النمط. هو انتقال من الفرد إلى الجماعة، من الاندفاع إلى التنظيم، من الرمز إلى المؤسسة. وهو قبل ذلك كله، وعي بأن الرئاسة وظيفة ، لا قدر ، وأن استبدال الرئيس وتدويره ليس خيانة ولا انقلاب ، بل شرط أساسي لاستمرارية وتصحيح المسار .
فالنقابة التي تخشى تغيير رئيسها برغم فشله ، إنما تعلن دون أن تدري أنها لم تغادر بعد مرحلة المراهقة
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه النقابات الناشئة ليس القمع الخارجي فقط، بل هذا الوهم الداخلي وهم أن الهوية تختزل في شخص فحين تختزل تموت . وحين تتسع لتشمل الإدارة الجماعية و القواعد المنظمة والتداول، تبدأ الحياة الحقيقية.
المراهق الذي كان يقلد مايكل جاكسون يكبر يوما، ويكتشف أن هويته لا يمكن أن تكون نسخة من أحد. وكذلك النقابة: إما أن تنضج فتنتج ذاتها، أو تبقى أسيرة صورة للرئيس فاشل













