أيلول.. فجيعة السيل التي تُعري قصورنا، وصرخةٌ لاستباق الكوارث في تعز
الجمعه 10 ابريل 2026 - الساعة 11:26 مساءً
أمضيت الساعات الثماني عشرة الماضية أراقب بصمتٍ مثقلٍ بالألم كيف تدفقت المعلومات وتوحدت جهود المجتمع في تعز بحثاً عن الطفل "أيلول عيبان السامعي" (11 عاماً).
جرفته السيول الغادرة نهار أمس الخميس، في حي الكوثر، ليتحول مسار عودته من المدرسة إلى مأساة ابتلعته حتى سد العامرية.
عبر الفضاء الرقمي وتتبع التحديثات، رصدتُ كيف هبّ الناس والناشطون وفرق الدفاع المدني في استجابة مجتمعية عفوية وباسلة، يتتبعون مسار السيل في ظل بنية تحتية متهالكة وقيود ميدانية معقدة. لكن الشجاعة وحدها، بعد وقوع الكارثة، لا تكفي لإنقاذ الأرواح؛ فـ "أيلول" عاد إلينا جثماناً، تاركاً خلفه سؤالاً يجلدنا جميعاً: إلى متى سنظل نلاحق الكوارث بدلاً من استباقها؟
إن نعي أيلول لا يجب أن يكون بكلمات العزاء التقليدية، بل بتصحيح المسار. رحيله المفجع يضعنا أمام ضرورة حتمية وفورية:
إنشاء وتفعيل "وحدة لإدارة مخاطر الكوارث" في محافظة تعز.
لا نتحدث هنا عن غرفة عمليات طارئة تُفتح أبوابها حين تقع الفأس في الرأس، بل عن كيان مؤسسي استباقي وفاعل.
تُعرّف وحدة إدارة المخاطر بأنها المظلة التنسيقية والتخطيطية التي تعمل على تحليل التهديدات البيئية والمناخية، وتقييم هشاشة البنية التحتية، وقياس مدى قدرة المجتمعات المحلية على الصمود، ومن ثم وضع خطط التخفيف والاستجابة. تكمن أهميتها القصوى في أنها تحول مسار العمل من "رد الفعل العاطفي المتأخر" إلى "الفعل العلمي المسبق"، مما يشكل الفارق الحقيقي بين الحياة والموت.
تعز اليوم تواجه سيناريوهات متكررة لكوارث الفيضانات والسيول الجارفة التي تضرب الأحياء السكنية المكتظة، وتخترق العبّارات المكشوفة وشبكات التصريف العاجزة. ومع التغيرات المناخية المتسارعة، ستصبح هذه المخاطر أكثر عنفاً وتواتراً.
ولمواجهة هذا الغضب المناخي، يجب أن تتبنى وحدة إدارة المخاطر المنشودة نظم الإنذار المبكر القائمة على المجتمع (CBEWS) وهو شبكة متكاملة تجعل المواطنين أنفسهم خط الدفاع الأول.
يبدأ النظام برصد المؤشرات المناخية، ثم إيصال التحذيرات بلغة مبسطة وسريعة للأحياء المهددة، وصولاً إلى تدريب السكان على خطط إخلاء آمنة ومحددة سلفاً. لو كنا نملك نظاماً فعالاً كهذا، لكانت رسالة تحذيرية استباقية أو حاجز مجتمعي بسيط قد منعا أيلول من عبور ذلك الطريق في اللحظة القاتلة.
أيلول ليس مجرد رقم جديد في قائمة ضحايا السيول، بل هو جرس إنذارٍ يدق في ضمائرنا. تخليد ذكراه الحقيقية يكون بقرار شجاع يؤسس لوحدة إدارة مخاطر الكوارث، تبني صمود مجتمعاتنا، وتسلحهم بالوعي والإنذار المبكر، كي لا نبكي غداً "أيلول" آخر في مجاري سيول تعز.
وفي هذا المصاب الجلل، أبعث بأحر التعازي وأصدق المواساة لوالده المناضل عيبان السامعي ولأمه المكلومة، راجياً من الله أن يربط على قلبيهما ويلهمهما الصبر والسلوان. لروح أيلول السلام، ولتكن فاجعة رحيله نقطة تحولٍ حقيقية لإنقاذ أرواح أطفالنا، كي لا نبكي غداً "أيلول" آخر في مجاري سيول تعز.
#أيلول_عيبان_السامعي
#إدارة_المخاطر_تعز
#المركز_اليمني_للإعلام_الأخضر
















