نقابة التربويين تضع مكتب الشؤون الاجتماعية أمام اختبار حقيقي
السبت 04 ابريل 2026 - الساعة 09:36 مساءً
في ظل التحولات التي يشهدها العمل النقابي، يبرز تحدي جوهري يتمثل في القدرة على تجاوز الأنماط الإدارية التقليدية التي كرّست الجمود وأعاقت التطور، وأسهمت في تكريس نزعات الاستبداد داخل العديد من الكيانات النقابية. ولم يعد مقبولاً استمرار اختزال العمل النقابي في شخص واحد ، يعطل
دور الهيئة الادارية .
في هذا السياق، يقدم نموذج نقابة التربويين اليمنيين تجربة لافتة تستحق التوقف عندها، حيث تبنّت مبدأ تدوير المواقع داخل الهيئة الإدارية، واعتبرت منصب الرئيس قراراً تنظيمياً داخلياً، يخضع لإرادة الهيئة المنتخبة، لا لتفويض جامد أو دائم. هذا التوجه لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل يعكس تحوّلاً نوعياً نحو ترسيخ القيادة الجماعية وتعزيز الديمقراطية الداخلية.
إن هذا النموذج يكسر حلقة الجمود التي طالما أعاقت العمل النقابي، ويفتح المجال أمام بناء مؤسسات نقابية حقيقية تعبّر عن تطلعات أعضائها، وتضمن مشاركة أوسع في صناعة القرار. كما أنه يشكّل رداً عملياً على الثقافة الإدارية المتوارثة التي منحت بعض القيادات سلطة مطلقة، وقيّدت إمكانيات التطوير والتجديد.
غير أن هذا التحول يضع مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل أمام اختبار حقيقي:
هل سيتعامل مع هذه التجربة بروح القانون ومقاصده، أم سيظل أسير التفسيرات الجامدة التي تعيق نشوء نماذج نقابية ديمقراطية؟
إن أي تعاط بيروقراطي جامد مع اللوائح والنظم النقابية من شأنه أن يعرقل هذا المسار ، ويعيد إنتاج ذات الأنماط التي أثبتت فشلها. ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق الجهات الرسمية والمكونات النقابية على حد سواء في توظيف النصوص القانونية لصالح الممارسة الديمقراطية، لا استخدامها كأداة لتقييدها.
ولعل السؤال المحوري الذي يثار في هذا السياق هو:
هل يتطلب تدوير منصب الرئيس العودة إلى الجمعية العمومية؟
الإجابة تكمن في مبدأ قانوني وتنظيمي بسيط: الجهة التي منحت الصلاحية هي الجهة التي تملك إعادة النظر فيها.
فالجمعية العمومية في الكيانات النقابية تنتخب الهيئة الإدارية كجسم متكامل، بينما تتولى هذه الهيئة، في أول اجتماع لها، توزيع المهام بين أعضائها، بما في ذلك اختيار الرئيس. وبذلك، فإن منصب الرئيس هو نتاج قرار داخلي للهيئة، وليس تفويضاً مباشراً من الجمعية العمومية.
وعليه، فإن إعادة توزيع المواقع الادارية ، بما فيها منصب الرئيس، تظل من صلاحيات الهيئة الإدارية، ولا تعد عزلاً بالمعنى القانوني، بل إجراءً تنظيمياً يهدف إلى تصحيح المسار، ومنع التفرد بالقرار، وتعزيز كفاءة الأداء النقابي.
لقد شكلت خطوة نقابة التربويين في اعتماد مبدأ التدوير، وتصعيد امرأة إلى موقع الرئاسة، منعطفاً مهماً في تاريخ العمل النقابي، ليس فقط من حيث كسر النمط التقليدي، بل أيضاً من حيث توسيع قاعدة المشاركة، وتعزيز حضور المرأة في مواقع صنع القرار.
إن تمكين المرأة داخل الهياكل النقابية لا يمثل بعداً شكلياً، بل يعد ركيزة أساسية لبناء مؤسسات نقابية أكثر توازناً وشفافية، حيث تسهم المشاركة الواسعة في الحد من احتكار القرار، وتعزيز المساءلة، وترسيخ قيم العدالة التنظيمية.
في المحصلة، فإن تجربة نقابة التربويين تمثل اختبار حقيقي لإرادة الإصلاح النقابي في اليمن. فإما أن يتم احتضان هذا النموذج وتطويره بوصفه خطوة نحو بناء نقابات حديثة وفاعلة، أو يتم وأده عبر تفسيرات ضيقة تعيدنا إلى نقطة الصفر.
إن مستقبل العمل النقابي مرهون بقدرتنا على كسر القوالب الجامدة، والانتصار لروح القانون، لا لنصوصه الجامدة، وبناء مؤسسات تقوم على الشراكة لا الهيمنة، وعلى الجماعة لا الفرد.














