عاصفة الحزم... نبل الغاية وخطيئة التعثر

الخميس 26 مارس 2026 - الساعة 11:01 مساءً

 

يطل علينا السادس والعشرون من مارس، حاملاً معه ذكرى "عاصفة الحزم" التي انطلقت قبل سنوات لإنقاذ اليمن من براثن المشروع الإيراني المارق. في ذلك اليوم، استبشر اليمنيون خيراً بهبوب رياح العروبة لكسر أنياب المليشيا الحوثية التي أسقطت الدولة واختطفت العاصمة صنعاء. ولكن، ونحن نقف اليوم في هذه الذكرى، يبرز السؤال المرير: أين يقف اليمن اليوم؟  ولماذا تعثرت خيول التحرير على أعتاب صنعاء، بينما يدفع الشعب اليمني في الشمال والجنوب أثماناً باهظة من دمه ولقمة عيشه؟

 

لقد كانت "عاصفة الحزم" ضرورة وجودية، وفعل عروبي شجاع لقطع يد طهران التي ظنت أنها أحكمت قبضتها على العاصمة العربية الرابعة. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بمرارة، هي أن المعركة التي بدأت بـ "نبل الغاية" لتحرير اليمن، انحرفت في مساراتها لتتحول إلى "إدارة أزمة" بدلاً من "حسم عسكري". لقد تعثرت معركة التحرير ليس لنقص في شجاعة المقاتل اليمني، وإنما نتيجة حسابات إقليمية ودولية معقدة، جعلت من "الشرعية" رهينة للتجاذبات، ومن "الجبهات" مجرد أوراق ضغط في صفقات سياسية لا ناقة لليمن فيها ولا جمل.

 

لا يمكننا الحديث عن تعثر التحرير دون الإشارة إلى "المكـابح" الإقليمية والدولية التي وُضعت أمام الجيش الوطني والمقاومة. فبينما كان الأبطال على بعد كيلومترات من "فرضة نهم" ومداخل صنعاء، كانت الضغوط الدولية (بقيادة واشنطن ولندن) تتدخل لفرض "هدنات هشة" واتفاقيات مشبوهة مثل "اتفاق ستوكهولم"، الذي أنقذ المليشيا الحوثية في لحظة انكسارها التاريخي بالحديدة. لقد أُريد لليمن أن يبقى في حالة "لا حرب ولا سلم"، لاستنزاف قدراته وتمزيق نسيجه الاجتماعي، بدلاً من تمكينه من استعادة دولته وسيادته.

 

اليوم، يدفع المواطن اليمني في الشمال والجنوب ثمن هذا التعثر. في الشمال، يرزح أهلنا تحت وطأة مليشيا سلالية عنصرية، تنهب الأقوات وتفخخ العقول وتصادر الحقوق والحريات، محولةً صنعاء التاريخ إلى سجن كبير يدار بعقلية "الحوزات" الإيرانية. وفي الجنوب، يعاني المواطن من انهيار الخدمات وتدهور العملة وتشتت القرار، نتيجة غياب الدولة الحقيقية وتعدد المشاريع التي أضعفت جبهة الشرعية المناهضة للمشروع الحوثي.

 

يقف اليمن اليوم أمام مفترق طرق خطير؛ فإما استعادة روح "26 مارس" كفعل تحرري وطني خالص، يجمع الشتات ويوحد البندقية نحو العدو الواحد في صنعاء، أو الاستسلام لمشاريع "التمزيق" و"التقاسم" التي تخدم المليشيا الحوثية ومن خلفها طهران. إن المليشيا الحوثية ليست قدراً محتوماً، وإنما عبارة عن "عاهة طارئة" في جسد اليمن، وما كان لها أن تستمر لولا تشتت الصف الجمهوري والارتهان للخارج. 

 

في ذكرى العاصفة، نؤكد أن الموقف الوطني الثابت هو "استعادة الدولة والشرعية" على كامل التراب اليمني. إن أي حديث عن "سلام" لا يضمن تفكيك المليشيا وتسليم السلاح للدولة هو مجرد "شرعنة للانقلاب" وتأجيل للحرب القادمة. لقد آن الأوان لليمنيين أن يدركوا أن "التحرير" يبدأ من وحدة قرارهم الوطني، وأن "العاصفة" الحقيقية يجب أن تنبع من الداخل لتطهير اليمن من دنس السلالة وعبث الوكلاء.

 

إن اليمن الذي قاوم الإمامة لقرون، لن يقبل بـ"إمامة جديدة" بعباءة إيرانية. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن استمرار هذه الإمامة حتى اليوم لم يعد تعبيرًا عن قوة خصم بقدر ما هو نتيجة لتعثر معسكر يفترض أنه جاء لإنهائها. وستبقى ذكرى 26 مارس شاهدة على لحظة قرار عربي شجاع، لكنها في الوقت ذاته تطرح سؤالًا قاسيًا عن أسباب التردد الذي تلاها. أما خلاص اليمن، فلن يأتي كمنحة من الخارج، بل يبدأ حين يستعيد اليمنيون قرارهم الوطني، لا الاكتفاء بشعاراتهم.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس