ترويض التصوف وسكينة رمضان
الجمعه 27 فبراير 2026 - الساعة 10:58 مساءً
تكمن قوة الإنسان، وربما سعادته أيضاً، في تلك النقطة الخفية التي يستقر فيها توازنه الروحي. ليست نقطةً فيزيائية ولا مفهوماً مجرداً فحسب، بل حالة حضور صافٍ، صامت، كثيف السكون. هناك، عند الحد الفاصل بين ضجيج العقل ونداء الأعماق، يولد سرٌّ لا يُنال بالبرهان وحده، بل بالتجربة والمراس. إنها مرسى سفن السمو، ورافعة ترويض العقل القلق الذي لا يفتأ يسأل عن الحكمة الكونية العليا.
نقطة التوازن هذه هي وعيٌ متقد، يقترب من المطلق اقتراب الشغف من ناره. مسؤولية الفرد أن يعثر عليها، لا هروباً من العالم، بل عبوراً خلال ملكاته الروحية والفكرية، وغوصاً في الأعماق بلا وجل ولا أسوار ذهنية.
لكل مجتهد نصيب، والتأمل ليس ترفاً بل صناعة داخلية لصهر تلك الملكات، وتهيئتها لطرق أبواب الحقيقة. ثمة مواسم تتكاثف فيها هذه الإمكانات، مقامات تبدو متباعدة لكنها قابلة للالتقاء، سهلة في ظاهرها، ممتنعة في جوهرها..
يأتي رمضان بوصفه رباطاً يعيد الأشهر المنفلتة من عقال الروح إلى مركزها. بعيداً عن الجدل الفلسفي حول ماهية الروح ووجودها، وعن الخلافات بين المدارس التجريبية والميتافيزيقية، يبقى ذلك الشعور الإنساني المشترك ..
الحب، الفرح، الحنان، الإحساس بالجمال والآخر هو ما نسميه روحاً، أو ضميراً، أو إنسانية. تعددت الأسماء والجوهر واحد حضورٌ باطنيٌّا محسوسا لا يُرى، يشبه في غموضه ما سماه الحكماء “العقل الكلي” أو “الصانع الأول”..
مفهوم الروح عابر للتقاليد يلوح في الفيض الأفلاطوني عند أفلاطون، ويتردد صداه في الكونفوشية واللاوية، وفي الزرادشتية والهرمسية، وفي آثار مصر القديمة، كما في اليهودية والمسيحية والإسلام. الوصول إلى ملكات الروح، وفق السالكين، إطلاقٌ لملكات العقل أيضاً، بل قد يفضي إلى أفق لا يبلغه الفيلسوف الناظر ولا العالم الموسوعي.
وفي قصة موسى مع العبد الصالح، الذي يُشار إليه في التراث باسم الخضر، تجسيدٌ رمزيٌّ لهذا المعنى: علمٌ لدنيٌّ يتجاوز الظاهر، واختبارٌ لحدود الصبر البشري حين يلامس الغيب.
وفي التراث الصوفي تتكرر الحكاية ذاتها بصياغات مختلفة. لقاء جلال الدين الرومي بـ شمس التبريزي لم يكن حادثة عابرة، بل انقلاباً في الرؤية؛ تحوّل الفقيه إلى شاعر كوني، وانبثق من التجربة كتاب المثنوي، الذي عُدَّ لدى الفرس نصاً روحياً خالداً هنا لا يكون التصوف انسحاباً من العالم، بل إعادة تشكيل له من الداخل...
كثيرون اتُّهموا بالهذيان أو الشطح، لكنهم رأوا في تجربتهم جهاداً مع النفس وثورة تبدأ من الداخل وتمتد إلى الواقع. يكفي أن نتذكر مصير الحلاج الذي واجه سلطتي الدين والسياسة معاً، ودفع حياته ثمناً لكلمته. كانت تجربته مثالاً على أن الروح، حين تتقد، لا تنعزل بل تصطدم وتحدث شررا ووهجا،،
رمضان في هذا السياق، ليس شهراً للطقوس فحسب، بل مختبراً للذات..
بعض السالكين يفضلونه لرحلة الفناء الرمزي، لأن الصوم يخفف ثقل الجسد كي يعلو الإحساس بالمعنى. “من ذاق عرف” ليست عبارة نخبويّة، بل إشارة إلى أن التجربة لا تُختزل في الوصف..
في بلد مثل مصر، يتجلى هذا المعنى في طقوس رؤية الهلال، وفي المواكب الروحية الممتدة من مسجد السيدة زينب إلى مسجد الحسين، حيث يمتزج التاريخ بالإنشاد، والذاكرة الشعبية بالحنين الصوفي..
لست صوفياً ولا داعيةً إلى طريق بعينه، غير أن في إشراقات بعض المتصوفة ما يوقظ حساسية الوجود، ويعيد الروح إلى نقطة توازنها. ربما يمكن قراءة التصوف، في أحد وجوهه، بوصفه هامشاً مشتركاً بين العقائد، لغة حبٍّ تتجاوز الانقسامات..
يبقى رمضان فرصةً لترميم الشروخ الخفية في أرواح أنهكتها الحروب والخصومات اليومية. ليس المطلوب أن نسلك طريقاً واحداً، ذلك أن
“الطرائق بعدد أنفاس الخلائق”..
لكن المطلوب أن نعثر كلٌّ بطريقته على تلك النقطة الصامتة الحادة السكون، حيث يتصالح العقل مع القلب، ويهدأ السؤال دون أن يموت،،













