إعادة ضبط الإقليم

الجمعه 30 يناير 2026 - الساعة 07:26 مساءً

 

نزوع إيران إلى التراجع سياسيًا ووظيفيًا داخل الإقليم لا يُقرأ بوصفه انتصار طرف على آخر، بقدر ما يُفهم كتحلل لدور سلبي عميق ظلّ لسنوات طويلة أحد أهم محرّكات التشظي والاضطراب في الإقليم.

 

جمهورية إيران الإسلامية لم تكن مجرد دولة ذات مصالح متعارف عليها، بل أُسست كي يكون لها وظيفة فوضوية داخل الإقليم، دولة تستثمر في تصدير الانقسام وتغذية الصراعات المذهبية وإضعاف فكرة الدولة الوطنية من الداخل.

 

 لم تكتفِ بإرباك العواصم، بل امتد ذلك إلى مستوى المدن والقرى، فأعادت تعريف التنافسات السياسية بوصفها صراع ميليشيات، وأعادت تشكيل المجتمعات على أساس الشك القائم على العنصرية المذهبية والكراهية والولاءات الضيقة، وخلقت بيئة لا يقدر على الاستثمار بها إلا الانتهازيون.

 

 هكذا دُمّرت دول بكاملها، ليس فقط بمفعول الحرب، لكن بتمزيق نسيجها الاجتماعي وإفراغ الدولة من معناها.

 

اليوم، ومع تراجع هذا الدور، لا يختفي الخطر وحده، بل تُفتح مساحة فراغ سياسي، والفراغ في الإقليم لا يبقى فراغًا؛ إما أن يُملأ بعقل الدولة، أو تعود الفوضى بثوب جديد. اللافت أن الإقليم يشهد، بالتوازي مع هذا التراجع، بروز دور مختلف في روحه وأدواته ونتائجه، دور لا يقوم على الاستثمار في الخراب، بل على إدارة التوازنات وتهدئة الصراعات وتبريد الرؤوس والصدور قبل أن تشتعل.

 

هذا الدور الإيجابي لا يرفع شعارات كبرى، ولا يَعِد بجنّة سياسية، لكنه يشتغل بمنطق تقليل الخسائر، وترميم الممكن، ومنع الانهيارات الكبرى. نتائجه، وإن بدت بطيئة، ملموسة: انخفاض حدّة الاستقطاب، عودة لغة المصالح بدل لغة الثأر، وتقدّم فكرة الاستقرار بوصفها شرطًا لأي إصلاح أو تحديث.

 

في قلب هذا التحول، تلعب المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية دورًا مركزيًا. ليس لأنهما بلا أخطاء أو تحديات، بل لأنهما اختارتا ــ في لحظة إقليمية شديدة التعقيد ــ أن تتصرفا كدول، لا كحركات أيديولوجية ولا كقوى تخريب. اختارتا إدارة الأزمات لا المتاجرة بها، والانخراط في الحلول لا الاستثمار في استمرار النزاع.

 

السعودية، بتحولاتها الداخلية ورؤيتها التنموية، تحاول إعادة تعريف موقعها من دولة ردّ فعل إلى دولة مبادرة، ومن لاعب أمني فقط إلى فاعل اقتصادي وسياسي يربط الاستقرار بالتنمية، ومصر، بثقلها التاريخي والجغرافي، تمارس دور صمام الأمان الإقليمي، وتدرك أن انهيار الدول من حولها لا يصنع نفوذًا، بل يوسّع دائرة الخطر.

 

الأهم من ذلك أن هذا الدور، إذا استمر بنفس الروح، لا يكتفي بترتيب الإقليم سياسيًا، بل يهيئ شعوب المنطقة نفسيًا وثقافيًا للانتقال من عقلية الصراع الدائم إلى منطق الدولة الحديثة، دولة تحافظ على هويتها وبصمتها دون أن تنغلق على نفسها، وتواكب تحولات العالم دون أن تذوب فيه.

 

لسنا أمام مشروع خلاص، ولا أمام نهاية الصراعات، لكننا وللمرة الأولى منذ سنوات أمام فرصة عقلانية، فرصة للخروج من منطق الهدم المتبادل وبناء حدّ أدنى من الاستقرار يسمح لشعوب الإقليم أن تلتحق بركب التطور والتحديث، لا كتوابع بل كفاعلين يمتلكون قرارهم وحدودهم ومعنى دولتهم.

 

والتحدي الحقيقي الحين ليس في غياب الدور التخريبي فقط، بل في القدرة على عدم استنساخه بأسماء جديدة، فالإقليم لا يحتمل نسخة أخرى من الخراب، ولا شعوبه قادرة على دفع ثمن دورة عبث جديدة. هنا فقط يُختبر ذكاء الدول وحنكتها في أن تواجه التحديات دون فقدان البوصلة، ودون أن تنزلق إلى ما كانت تدّعي أنها تقاتله.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس