السياسة بلا اقتصاد: لماذا تفشل التسويات في اليمن؟ (2–3)

الخميس 29 يناير 2026 - الساعة 05:49 مساءً

 

في الدول المستقرة، يكون الصراع استثناءً تنظّمه الدولة وتحتويه ضمن قواعدها، أما في اليمن فقد أصبحت الدولة هي الاستثناء الوحيد غير المحسوب بقاؤه داخل صراع دائم ومتجدد.

 

فالصراع لا يُدار داخل الدولة، بل يُدار بديلًا عنها، فتحولت البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة، يُستنزف فيها المجتمع، ويُشل الفرد، وتُستهلك السياسة بلا أفق.

 

لماذا تفشل كل التسويات في اليمن؟

 

أولًا: التسويات تُبنى بين قوى وأطراف وليس داخل الدولة.

فكل اتفاق يتم بين مراكز نفوذ مسلحة أو سياسية، لا بين مؤسسات محايدة قادرة على التنفيذ والاستمرار وحماية تلك الاتفاقات، فتتحول تلك التسوية إلى هدنة مؤقتة، قابلة للانهيار مع أي تغير في موازين القوة.

 

ثانيًا: التشابه البنيوي يمنع التحول

على الرغم من اختلاف الشعارات، تعمل الأطراف بالمنطق نفسه: القائد بدل المؤسسة، والجماعة/الحزب بدل المواطن، والثورة بدل القانون، وبالتالي تعيد هذه التسويات توزيع النفوذ داخل النظام ذاته، دون إنتاج نموذج جديد.

 

ثالثًا: الاقتصاد خارج السياسة والاتفاق. 

لا ترتبط التسويات بالإنتاج أو الوظائف أو مشروع اقتصادي بزمن محدد.

وإنما يحضر الاقتصاد فقط كمورد تمويل، أو غنيمة تقاسم، أو أداة ضغط، ومع غيابه كأساس للشرعية، تفشل أي تسوية فور توقف التمويل أو تغير التحالفات، داخليًا أو خارجيًا.

 

رابعًا: الدولة غير محايدة

الدولة ليست حكمًا بين الأطراف، بل غنيمة بحد ذاتها، ومع غياب الحياد، تخشى الأطراف أن تتحول أي تسوية لاحقًا إلى أداة إقصاء ضدها.

 

خامسًا: الفرد مغيّب عن معادلة التسوية.

المواطن لا يظهر إلا كوقود تعبئة أو رقم في كشف الإغاثة أو الضحايا، فلا مكان للمبادرة أو الإبداع أو الاستقلال الاقتصادي، وبدون فرد حر، لا يتشكل مجتمع يحمي الدولة أو يدافع عن أي تسوية.

 

وعلية :- 

اليمن محكوم بـ حلقة مغلقة من الصراع المستمر: لا "دولة"، لا "اقتصاد"، لا "فرد منتج"، ولا "تسوية قادرة على البقاء".

 

حتى الانتصارات العسكرية لا تتحول إلى دولة، والهزائم لا تنهار الدولة، فتستمر السياسة في الاستنزاف، ويظل الاقتصاد ضعيفًا والفرد مقيدًا.

 

وبكل بساطة فالمفتاح لكسر هذه الحلقة المتجذرة :

- التوجه نحو دولة مؤسسية حيادية

- اقتصاد منتج كأساس للشرعية

- فرد حر قادر على الإبداع والمبادرة

بدون هذه العناصر الثلاثة، أي تسوية ستظل مؤقتة وقابلة للانهيار، والصراع سيستمر كآلية لإدارة الفوضى وليس من أجل حلها.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس