تحامل وأستنفار غير مبرر..
الثلاثاء 20 يناير 2026 - الساعة 07:08 مساءً
يثير الاستغراب بل القلق هذا التحامل المبالغ فيه على رفع علم الجنوب في سياق حوار جنوبي_ جنوبي وكأننا أمام خرق وطني جسيم لا أمام ممارسة سياسية طبيعية في إطار حوار يخص الجنوبيين وحدهم..
الأغرب من ذلك هو حجم الغضب والانفعال الذي رافق المشهد في وقت تبدو فيه القضايا الكبرى بلا من يتصدى لها بالحدة ذاتها..
فلنكن واضحين كما الحقيقة الحوار الجنوبيالجنوبي إن كان صادقًا لا يمكن أن يُدار بلا رموزه الجامعة وعلم الجنوب واقعًا لا إنكارًا هو الرمز الذي يجمع الجنوبي بالجنوبي اليوم تمامًا كما كان علم الوحدة من حيث الفكرة لا الممارسة رمزًا جامعًا للشمالي والجنوبي المشكلة ليست في العلم بل في عجزنا عن إدارة السياسة بعقل بارد..
ثم إن العلم الجنوبي لم يكن نزوة عاطفية ولا اختراع لحظة سياسية طارئة بل هو جزء أصيل من تاريخ اليمن الحديث سُقي بدماء رجال صدقوا ما عاهدوا عليه من سالم ربيع علي إلى علي عنتر إلى عبد الفتاح إسماعيل إلى أحمد العبد وغيرهم لم يكونوا دعاة تمزيق بل أصحاب مشاريع ورؤى لدولة اختلفنا أو اتفقنا معها لكنها تظل جزءًا من ذاكرتنا الوطنية لا مادة للتخوين.. الخطأ الجسيم هو هذا الاستنفار الانتقائي..
هذه العدوانية التي تُستدعى عند الأعلام والرموز وتغيب حين يتعلق الأمر بالخطر الحقيقي: انقلاب الحوثي المليشيا المسلحة التي اختطفت الدولة، وفرضت منطق السلاح ودمّرت معنى الوحدة قبل أن تهدد جغرافيتها.
كان الأجدر أن يُوجَّه هذا الحماس وهذه النخوة وهذا الصراخ نحو إسقاط الانقلاب وتجريد الحوثي من السلاح وإزاحته من المشهد السياسي نهائيًافبدون ذلك لا وحدة تُحمى ولا دولة تُستعاد ولا حوار يكتسب شرعيته..
لنقلها بوضوح سياسي لا يحتمل التأويل: فقط بعد إنهاء الانقلاب واستعادة الدولةيصبح من حق الجميع شمالًا وجنوبًا التفاوض حول شكل الدولة وحدةً كانت أو انفصالًا أو صيغة جديدة أما قبل ذلك فأي دعوة للوحدة تقوم على التخوين أو مصادرة الأحلام أو شيطنة الرموز، هي دعوة مرفوضة موضوعًا وشكلًا..
الوحدة لا تُفرض بالانفعال ولا تُصان بالصراخ كما أن الانفصال لا يُبنى بالرمز وحده ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من المعارك الجانبية، بل استعادة البوصلة نحو العدو الحقيقي..
وإلى أن يحدث ذلك سيظل السؤال معلقًا..
لماذا نملك كل هذا الغضب على علم ولا نملك نصفه على انقلاب













