السعودية تجمع ما فرّقته الصراعات
الاحد 18 يناير 2026 - الساعة 07:14 مساءً
لم تكن حكمة الاحتواء السياسي وصناعة التوافق وليدة اللحظة في أرضٍ وُلدت فيها الرسالات، وشهدت ميلاد خير الخلق محمد ﷺ. فجزيرة العرب، قبل أن يشرق عليها نور الإسلام، كانت تعيش زمنًا قاسيًا من الظلمات الفكرية والإنسانية؛ مجتمع تحكمه العصبية، وتديره الثارات، وتفصل بين قبائله السيوف أكثر مما تجمعهم القيم. لم يكن العربي يرى في الآخر شريكًا في الحياة، بل خصمًا محتملًا في معركة قادمة. تُشعل حربٌ بسبب ناقة، أو كلمة، أو سباق خيل، وتستمر سنوات طويلة تحصد الأرواح وتورّث الأحقاد.
وفي قلب تلك الجاهلية، بلغت القسوة حدًا صادمًا حين كان بعض العرب يدفنون بناتهم أحياء. لم تكن الطفلة ترى نور الحياة إلا لتُوارى التراب، خوفًا من الفقر أو العار، في مشهد يجسّد إلى أي مدى يمكن أن ينحدر الإنسان حين تغيب عنه الرحمة والقيم. إلى جانب ذلك، انتشرت طقوس وثنية غارقة في الخرافة؛ من عبادة الأصنام، والطواف حولها، والاستقسام بالأزلام، وتقديم القرابين، في مجتمعٍ تائهٍ يبحث عن معنى فلا يجده.
وتروي كتب السيرة حادثة شهيرة كادت تشعل حربًا بين قبائل قريش، عندما أعادت القبائل بناء الكعبة واختلفت حول من ينال شرف وضع الحجر الأسود في مكانه. احتدم النزاع، وتجهزت القبائل للاقتتال، وكل طرف يرى نفسه الأحق بهذا الشرف العظيم. عندها جاء محمد ﷺ، قبل بعثته، بحكمةٍ أذهلت الجميع؛ فوضع الحجر في ثوب، وطلب من زعماء القبائل أن يحمل كلٌّ منهم طرفًا منه، ثم أخذه بيديه الشريفتين ووضعه في مكانه، فاجتمعوا على الرضا، وانطفأت نار الفتنة قبل أن تشتعل.
لم يكن ذلك موقفًا عابرًا، بل تجسيدًا مبكرًا لروحٍ ستغيّر وجه التاريخ: روح جمع القلوب قبل تغليب الأفراد، ووحدة الصف قبل شرف الزعامة.
ثم جاء الإسلام، فانتشل الإنسان من قاع الجاهلية إلى ذروة الكرامة. حرّم وأد البنات، ورفع شأن المرأة، وكسر قيود العصبية، وقال كلمته الخالدة: «إنما المؤمنون إخوة». تحوّل العربي من مقاتل لأجل القبيلة إلى إنسان يحمل رسالة للعالم، وصارت القوة في القيم لا في السيوف، وفي الأخلاق لا في الثأر.
هذا الإرث العميق هو ما يجعل أرض الرسالة قادرة، حتى اليوم، على إنتاج الحكمة في أحلك الظروف. فالمملكة العربية السعودية، وهي تتحرك في محيط إقليمي معقّد، لا تستمد نهجها من حسابات السياسة الباردة وحدها، بل من تاريخٍ تشكّل على يد نبي جمع المتخاصمين، وأطفأ نار الفتن بالحوار والعدل.
وفي اليمن، حيث تتناسل المشاريع المتصارعة، وتتعالى أصوات الانفصال، وتتشظى الجغرافيا تحت ضغط السلاح، تسعى الرياض إلى إعادة إنتاج درس الحجر الأسود بلغة العصر. تجمع الفرقاء على طاولة واحدة، وتفتح أبواب الحوار، وتبحث عن أرضية مشتركة تحفظ لليمن وحدته وكرامته. ليست هذه المقاربة ترفًا سياسيًا، بل امتدادًا لفلسفةٍ ضاربة في عمق التاريخ: أن الخلاف إن لم يُحتوَ بالحكمة، التهم الجميع.
اليوم يلوح لليمن وشعبه نورٌ جديد، دأبت المملكة العربية السعودية على إشعاله، عبر مسارٍ هادئٍ وحكيم يسعى لإنهاء المعضلة اليمنية بروح الاقتدار لا بالإملاء، وبالحوار لا بالإقصاء، وبجمع الكلمة لا بتفريقها.
كما وحّد الإسلام قبائل كانت تدفن بناتها وتعبد الحجر، تعمل السعودية اليوم على توحيد قلوبٍ أنهكتها الحروب، وإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان قبل أي مشروع أو راية. في زمن تُستسهل فيه الفوضى، وتُغذّى فيه الانقسامات، تبرز الحكمة كخيار شجاع، والحوار كطريقٍ أصعب لكنه الأصدق.
من الجاهلية إلى النبوة، ومن الصراع إلى الوحدة، تعلّم العرب أن أعظم الانتصارات ليست في كسر الخصم، بل في كسبه. وهذا الدرس، الذي وُلد عند الحجر الأسود، ما يزال حيًا في سياسةٍ تؤمن أن جمع القلوب هو حجر الأساس لأي وطنٍ يريد النجاة.














