إسقاط فكر التمكين والغنيمة ..

السبت 17 يناير 2026 - الساعة 01:30 صباحاً

 

اليمن ليست مجرد قطعة شطرنج في يد اللاعبين الكبار ، ولا ملفاً عابراً يُدرج في جداول أعمالهم ، بل هي عقدة تاريخية في قلب الإقليم ، لا تُفك إلا من داخلها ، وجرح عميق لايلتئم إلا من الداخل ، ولايتعافى بالمسكنات والمعالجات السطحية ، أو بضمادات مستوردة . 

 

إن كل محاولة لفرض حلٍ من الخارج ، دون فهم البنية الاجتماعية والسياسية والتاريخية لليمن ، لم تكن سوى تأجيل لإنفجار قادم ، أو إعادة إنتاج للأزمة بأدوات جديدة ، وقد أثبت التاريخ اليمني القريب والبعيد ، أن هذا البلد لا يُبنى بالوصاية ، ولايدار بمنطق الوكالة ، ولا يقبل بحلول مكتوبة بلغة غير لغته ... والهارب من درس التاريخ ، المتجاهل لتجارب الفشل المتراكمة ، أشد خطراً على مجتمعه من غيره ، لأنه يعيد إرتكاب الأخطاء ذاتها ، لكن بثقة زائفة وإدعاء كاذب بالحداثة .

 

إن جوهر الأزمة اليمنية لايكمن فقط في تعدد القوى أو تضارب المشاريع ، بل يكمن في سيادة فكر التمكين والغنيمة ، ذلك الفكر الذي يرى الدولة جائزة حرب وتفويض الهي بالتمكين ، ويرى السلطة حقاً حصرياً ، والثروة غنيمة مباحة ، وهو فكر لايؤمن بالشراكة ولايعترف بالمواطنة ، لايرى في الدولة سوى أداة للهيمنة والإقصاء والتهميش . 

 

ومن هنا ، فإن إسقاط هذا الفكر ليس شعاراً أخلاقياً ، بل ضرورة وجودية سياسية وتاريخية ، وهو اللبنة الأولى في بناء الثقة بين الأطراف المعنية ، ومفتاح أي مسار جاد نحو بناء سلام مستدام .

 

إن السلام في اليمن لن يكون نتاج صفقة فوقية ، ولانتيجة توازن رعب مؤقت ، بل ثمرة تحول عميق في الوعي السياسي ، من منطق الغلبة إلى منطق الدولة ، ومن ثقافة الإحتكار إلى ثقافة المشاركة ، مشاركة في السلطة ، ومشاركة في الثروة ، ومشاركة حقيقية في إتخاذ القرار ، ولا تختزل في محاصصات شكلية ، ولاتُفرغ من مضمونها عند أول إختبار .

 

رغم ذلك ، فإن النهوض ليس مستحيلاً ، كما قد يراه البعض ، إنه ببساطة معادلة واضحة "قيادة وإرادة وإدارة"

قيادة تمتلك القرار والشجاعة لكسر القيود ، وإرادة سياسية لاتساوم على فكرة الدولة ، وإدارة كفؤة تحوّل الرؤى إلى سياسات ، والسياسات إلى نتائج ملموسة .

 

وبالأمل_لاكشعور عاطفي بل كخيار عقلاني _وبالعلم كمنهج ، وبالعمل كقيمة ، يمكن لليمن أن يزيل العقبات ، ويذلل الصعاب ، ويحوّل أزماته المتراكمة إلى فرصة لليقظة والنهوض ، وفي سنوات معدودة ، يمكن ترويض المستحيل إذا ما أُعيد ترتيب الأولويات على أسس صحيحة ، وفي مقدمتها ، الصناعة كمدخل للإستقلال الإقتصادي ، والزراعة كضمان للأمن الغذائي وإستعادة التوازن بين الأرض والإنسان ، وجودة التعليم بوصفه الإستثمار الأعمق والأطول أثراً في بناء الإنسان والدولة معاً .

 

إن إسقاط فكر التمكين والغنيمة ليس نهاية الطريق ، لكنه البداية الصحيحة في طريق البناء ، ومن لايبدأ من هنا ، سيظل يدور في الحلقة ذاتها ، مهما تبدلت الوجوه ، وتغيرت الشعارات ، وتعددت الرعايات .

 

إنها بلا شك مرحلة إستثنائية ، والمرحلة الإستثنائية لاتدار بعقول تقليدية ولابقيادات رمادية ، وفي أوقات الشدة ، يُستدل على رشاد الحاكم ، هل ينحاز للدولة أم للجماعة ؟ للمستقبل أم للماضي ؟ للبناء أم للغنيمة ؟

 

#فإما_نكون_أو_لانكون

   #دولة_لا_مليشيات

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس