تحليل: من حضرموت إلى أوبك.. معالم الطلاق الاستراتيجي داخل البيت الخليجي

الخميس 30 ابريل 2026 - الساعة 10:32 مساءً
المصدر : الرصيف برس - خسام ردمان

 


أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها الصادم من تحالف أوبك وأوبك+ النفطي. وثمّة العديد من المبررات الاقتصادية الوجيهة لهذا القرار، إذ استثمرت الإمارات لسنوات لرفع قدرتها الإنتاجية إلى نحو 5 ملايين برميل نفط يوميًا بحلول عام 2030.

 

لكن هذا القرار لا يمكن فصله عن السياق الجيوسياسي الأوسع، ولا سيما تطورات الصراع السعودي الإماراتي الذي بلغ ذروته العام الماضي. وقد يسهم هذا القرار في إضعاف منظومة الأمن الخليجي التي تشهد مؤخرًا تحديات غير مسبوقة، كما سيدفع المنطقة نحو سياسة المحاور.

 

التعاون الخليجي.. بين الهيمنة والشراكة

 

منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي، قامت العلاقة بين أعضائه على مفهوم “الهيمنة التعاونية”: اعتراف الدول الأصغر بقيادة السعودية، مقابل التزام الرياض بأعباء تصدّر المشهد، كما جرى عقب اجتياح الكويت.

 

وضمن هذه العلاقة، سعت كل دولة إلى توسيع هامش مناورتها: فقد حافظت قطر على حرية حركتها السياسية والدبلوماسية، وركّزت الإمارات على بناء نموذجها الاقتصادي، فيما حرصت عُمان مبكرًا على تأكيد استقلالها الاستراتيجي. ومع ذلك، ظلّت جميع دول الخليج تعترف بمقومات الزعامة السعودية.

 

في عام 2011، أعادت الرياض تعريف مهددات أمنها القومي لمواجهة الفراغ الجيوسياسي الناجم عن انهيار الأنظمة العربية، وكبح تمدد الإسلام السياسي السني بقيادة تركيا وقطر، وردع شبكة وكلاء الإسلام السياسي الشيعي بقيادة إيران.

 

في تلك اللحظة، تبدّلت العلاقة السعودية الإماراتية من صداقة إلى تحالف، حيث تطابق تعريفهما للتهديدات الجيوسياسية. كما احتاجت الرياض إلى إسناد أكبر في إطار سعيها إلى إنشاء محور إقليمي لموازنة المحاور الأخرى الصاعدة، وتعويض الغياب المؤقت للدور المصري.

 

في عام 2015، أبدت الإمارات استعدادها للانخراط بشكل أعمق في النهج السعودي الهجومي إقليميًا، سواء في حرب اليمن أو لاحقًا في قرار مقاطعة قطر. في المقابل، سعت أبوظبي إلى انتزاع اعتراف سعودي بالشراكة الندية بينهما كلاعبين إقليميين، وكانت الساحة اليمنية أول ميدان لاختبار هذه المعادلة من خلال القيادة المشتركة لقوات التحالف العربي.

 

لكن نمط الشراكة الاستراتيجية لم يكتمل. ومع بدء نهوض مشروع التحديث السعودي، أصبح التنافس مع الإمارات أكثر حدّة. وباختصار، أظهرت الرياض نزعة للعودة إلى “نموذج الهيمنة التعاونية”، ولم تلبِّ توقعات الشراكة الندية.

 

التنافس المُدار

 

في أبريل 2020، أعلنت أوبك+ اتفاقها التاريخي لخفض إنتاج النفط، وكان هذا الاتفاق نتاج حرب أسعار بين موسكو والرياض قادت إلى تفاهم ثنائي عزّز سيطرتهما على السوق.

 

أيّدت أبوظبي الاتفاق، لكنها تفاجأت لاحقًا بأن حصتها من الإنتاج جاءت أقل من المتوقع (إذ كان خط الأساس الإنتاجي للإمارات يبلغ 3.168 ملايين برميل يوميًا، وقد حاولت إقناع المنظمة برفعه إلى مستوى إنتاج أبريل 2020 البالغ 3.841 ملايين برميل يوميًا على الأقل). وقال وزير الطاقة الإماراتي إن ذلك “غير عادل”، فردّ نظيره السعودي بضرورة الالتزام بالاتفاق.

 

وواصلت الرياض نهجها القيادي الضاغط على أبوظبي في أكثر من ملف. فعلى سبيل المثال، تبنّت مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر كمظلة مؤسسية تسعى إلى استبعاد أي لاعبين إقليميين من خارج المنطقة، كما تحرّكت لرعاية المصالحة مع قطر دون تنسيق مع حلفائها، وأبرمت بشكل مفاجئ مصالحة مع إيران، وأخيرًا تحركت منفردة نحو تسوية سياسية مع الحوثيين وفرض خارطة الطريق بصورة قسرية على حساب حلفاء أبوظبي في اليمن.

 

في المقابل، أدركت الإمارات ضرورة تنويع تحالفاتها الاستراتيجية، وهو ما تجلّى في اتفاقات أبراهام، ثم تأسيس تحالف “2E2I” الذي ضم الإمارات وإسرائيل والهند والولايات المتحدة.

 

وفي ساحات الصراع المشتركة (اليمن، السودان، ليبيا)، انتهجت أبوظبي أسلوب “التدرّج الإكراهي”: سلسلة خطوات مدروسة ضمن المنطقة الرمادية، تتيح لها توسيع نفوذها عبر حلفائها، دون أن تؤدي إلى انهيار التحالف السياسي مع السعودية أو تجاوز خطوطها الحمراء بشكل فجّ.

 

وبرغم الخلافات المتصاعدة، ظل عامل مشترك يجمع الطرفين: الحاجة إلى الحفاظ على توازن الردع ضد إيران، لا سيما في اليمن.

 

أوبك واليمن.. الطلاق الاستراتيجي

 

في عام 2025، اتسعت الفجوة بين الدولتين بشكل كبير، خصوصًا في ما يتعلق بكيفية التعامل مع إيران وإسرائيل. ولم يعد التنافس بينهما ثنائيًا قابلًا للإدارة، بل أصبح متداخلًا مع صراع المحاور: محور أبراهيمي ترعاه واشنطن وتسعى لضم الإمارات إليه إلى جانب إسرائيل، مقابل تحالف رباعي يتشكّل بين السعودية ومصر وباكستان وتركيا، ويمكن تسميته محور الاتزان الاستراتيجي.

 

وقد أدى انحسار النفوذ الإيراني في الإقليم إلى إشعال التنافس بين هذه المحاور الناشئة، وكانت اليمن أول ساحة تتأثر بهذه السياسة، حيث تبنّت الإمارات وحلفاؤها نهجًا عالي المخاطر تجاوز خطوط الرياض الحمراء، ما قاد إلى رد سعودي سياسي وعسكري غير مسبوق.

 

وبدأ الطلاق الخليجي يظهر علنًا من اليمن، حين طلبت السعودية من الحكومة اليمنية إنهاء الدور الإماراتي رسميًا ضمن قوات التحالف العربي.

 

واليوم يتجلى ملمح آخر لهذا الطلاق في خروج الإمارات من أوبك. وقد سبق ذلك إعلان أبوظبي استعدادها للانخراط في أي عمليات عسكرية لتأمين مضيق هرمز، خلافًا للموقف الخليجي المتحفظ، إلى جانب تسريبات بشأن تعاون دفاعي إماراتي إسرائيلي خلال الحرب على إيران.

 

ومن الواضح أن الإمارات لن تتردد في اتخاذ خطوات صادمة لتعزيز استقلالها الاستراتيجي وإعادة تموضعها الجيوسياسي.

 

وعلى الأرجح، ستؤدي مفاعيل الطلاق السعودي الإماراتي إلى إعادة تشكيل العلاقة الثنائية، بحيث تتراوح بين التنافس الخشن والصدام المحسوب، كما ستغذّي سياسة المحاور الإقليمية.

 

وتبقى الخشية من أن تعود دائرة التنافس إلى اليمن، بما قد يُفاقم تناقضات المشهد السياسي والأمني الهش، لا سيما في جنوب البلاد.

 

وليس من المبالغة القول إن تماسك معسكر الشرعية اليمنية ونجاح الحوار الجنوبي–الجنوبي ما زالا يتطلبان حدًا أدنى من التفاهمات السعودية الإماراتية، أو على الأقل تفاهمًا ضمنيًا على قواعد الاشتباك.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس