سيطرة الحوثيين على البنية الرقمية اليمنية تعزز موقعهم

الجمعه 06 فبراير 2026 - الساعة 05:49 مساءً
المصدر : الرصيف برس - العربي الجديد

 


 - فخر العزب

 

شهد الأول من فبراير/شباط الحالي تصعيداً جديداً في ملف الملاحة الجوية في اليمن، إذ منعت جماعة الحوثيين هبوط أول رحلة تجارية كان من المقرر أن يستقبلها مطار المخا الدولي في محافظة تعز، جنوب غربي البلاد، قادمة من مطار جدة السعودي، بعد أن أصدر مركز الملاحة الجوية في صنعاء أوامر بمنع الطائرة التابعة للخطوط الجوية اليمنية من دخول الأجواء اليمنية عقب إقلاعها، رغم إدراج الرحلة مسبقاً وبشكل رسمي ضمن جداول التشغيل. 

 

يسلط هذا الإجراء الضوء على واقع سيطرة الجماعة على البنية الرقمية اليمنية التي تدار من صنعاء، وسط الانقسام المؤسساتي في البلاد، وما تشكله من مورد رئيسي لها.

 

وجاء منع الطائرة من الهبوط عبر استغلال الجماعة سيطرتها على مركز التحكم بالملاحة الجوية في صنعاء، ما تسبب في عرقلة سفر 152 شخصاً، بينهم مرضى وكبار سن، كانوا بانتظار الطائرة في مدرّج المطار للإقلاع نحو السعودية. واضطرت إدارة المطار إلى تقديم الإيواء والمساعدة للمسافرين الذين توافدوا من عدة محافظات يمنية للسفر عبر هذا المنفذ الجديد الذي استقبل، الأحد الماضي في الأول من فبراير، أول رحلة جوية منذ إنشائه في 2021. 

 

وبحسب مصادر ملاحية، فإن الجماعة لم تكتفِ بالمنع الإداري، بل وجهت تهديدات مباشرة بقصف الطائرة في حال إصرارها على الهبوط في مطار المخا الذي دُشن العمل فيه رسمياً في اليوم نفسه، ما تسبب بحالة من الغضب الشعبي، وعزّز من المطالبات المحلية بضرورة نقل مركز التحكم بالملاحة الجوية إلى العاصمة المؤقتة عدن، وبسط السيادة الكاملة على الأجواء اليمنية.

 

أعادت هذه الحادثة التذكير بأن التحكم في الأجواء اليمنية، وإن تغيّرت الخرائط على الأرض، لا يزال يمر عبر سيرفرات (خوادم إلكترونية) مركزية لا تُدار من عدن، بل من صنعاء، فالحوثيون لا يزالون يسيطرون على مركز مراقبة المنطقة (Area Control Center، ACC)، وهو المركز الذي يدير حركة الطائرات في كامل الأجواء اليمنية. هذا المركز لا يمنحهم فقط القدرة على رؤية الرادارات، بل يمنحهم "الشرعية التقنية" أمام المنظمات الدولية مثل منظمة الطيران المدني الدولي "إيكاو" (ICAO) التي تتعامل مع الترددات الصادرة من المركز المعترف به، جغرافياً وتاريخياً، مركزاً إقليمياً للملاحة.

 

وعلى الرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على انقلاب الحوثيين في سبتمبر/ أيلول 2014، إلا أن غرفة التحكم الملاحي في صنعاء لا تزال تمتلك الأكواد (الشيفرات) الخاصة بتحديد المسارات، كما أن تحديثات البرمجيات، التي تُرسل عادة عبر شبكة ربط دولية، تمر تلقائياً عبر السيرفرات في العاصمة، وهو ما يمنح الجماعة القدرة على منح الإذن للطائرات أو حجبه. وبسبب عدم نقل هذه المراكز أو بناء بديل حقيقي من قبل الحكومة المعترف بها دولياً في عدن، تبقى كل المطارات تحت رحمة السلطات في صنعاء.

 

حرب "سيادة السيرفرات"

 

يأتي الصراع حول السيطرة على مركز التحكم الملاحي الخاص بالطيران المدني في سياق حرب شاملة عنوانها "سيادة السيرفرات"، وهي مختلفة تماماً عن الحرب العسكرية الدائرة على الأرض منذ أكثر من عشر سنوات، إذ يستغل الحوثيون سيطرتهم على صنعاء لخنق المؤسسات اليمنية التي ظل كثير منها عاجزاً عن الاستقلال (القرار المستقل) حتى الآن. 

 

ما يعني أن سيطرة الحوثيين على البنية الرقمية اليمنية تمنحهم سلطات قيادية أكبر من تلك التي تملكها الحكومة المعترف بها دولياً في عدن. 

 

ولا تزال جماعة الحوثيين حتى اليوم تسيطر على البنية الرقمية التي تربط الاتصالات والإنترنت والملاحة الجوية وإدارة المجال الجوي. ورغم الانقسام السياسي والإداري بين سلطة الحوثيين في صنعاء وسلطة الحكومة المعترف بها دولياً في عدن، بقيت "المفاتيح الرقمية" لهذه القطاعات داخل صنعاء.

 

ويعد قطاع الاتصالات والإنترنت واحداً من أبرز وأهم القطاعات التي يسيطر عليها الحوثيون منذ انقلابهم، إذ سيطروا على مؤسسة الاتصالات، وتحديداً السيرفرات المركزية التي تعمل من خلالها شركات "يمن نت" و"يمن موبايل" و"يو" و"سبأفون". 

 

لدى هذه المؤسسة مركز بيانات موحّد في صنعاء يمنح الحوثيين صلاحيات التحكم بحركة الاتصالات المحلية والدولية، إلى جانب بوابات الإنترنت وتخصيص العناوين (عناوين الويب، URL)، ومراقبة عابرة للحدود للمكالمات والبيانات، وإمكانية قطع الخدمة عن أي محافظة. 

 

بالإضافة إلى ذلك، يُعد قطاع الاتصالات والإنترنت في البنية الرقمة اليمنية أحد أهم المصادر الإيرادية التي تغذي اقتصاد الجماعة وتموّل أنشطتها المختلفة، وعلى رأسها الأنشطة العسكرية.

 

وإذا كانت آبار النفط والغاز معطّلة أو خارج نطاق المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، فإن "أبراج الاتصالات" قد تحولت إلى "الآبار الجديدة" التي تضخ السيولة في خزائن الجماعة بصنعاء. وبحسب تقديرات اقتصادية متقاطعة لعام 2025/ 2026، فإن قطاع الاتصالات يدر على جماعة الحوثي ما يربو على مليار دولار سنوياً، موزعة بين أرباح الشركات الحكومية والضرائب القسرية ورسوم التراخيص.

 

وتتصدر شركة "يمن موبايل" قائمة الروافد المالية، إذ قفزت إيراداتها السنوية لتتجاوز حاجز 300 مليار ريال يمني (الدولار يساوي 535 ريالاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين)، وهو نمو يعكس احتكار الجماعة السوق الوطنية وتوظيفها بيانات المشتركين في تنمية استثمارات بينية. ولا تقتصر الجباية على الأرباح الصريحة، بل تمتد لتشمل "ضريبة المجهود الحربي" التي تُستقطع بنسب متفاوتة من فواتير الاتصالات والإنترنت، بما في ذلك الخدمات المقدمة للمواطنين في المناطق الخاضعة لنفوذ الحكومة المعترف بها دولياً، والذين يجدون أنفسهم مضطرين لتمويل خصومهم مع كل باقة إنترنت يجرى تفعيلها عبر "يمن نت".

 

ويشير خبراء ماليون إلى أن السيطرة على "بوابة اليمن الدولية للاتصالات "تيليمن" تمنح الجماعة وصولاً حصرياً إلى عائدات المكالمات الدولية والترابط الشبكي، وهي مبالغ بالعملة الصعبة تُستخدم لتمويل العمليات العسكرية وشبكات النفوذ، بعيداً عن أي رقابة من البنك المركزي في عدن. هذا "التدفق المالي العابر للحدود الإدارية" (التدفقات المالية غير المشروعة) جعل من قطاع الاتصالات السلاح الأقوى في يد صنعاء، ليس فقط أداةَ مراقبة، بل شريانَ حياة مالياً يمنحها القدرة على الصمود اقتصادياً رغم العزلة الدولية.

 

انقسام مؤسساتي

 

كذلك أدت الحرب اليمنية إلى انقسام جغرافي وإداري ومؤسساتي، بما يشمل البنية الرقمية اليمنية. وامتد هذا الانقسام إلى الهوية الرسمية نفسها؛ فالمواطن الذي يعيش في صنعاء والمناطق الخاضعة لسلطة الحوثيين يحصل على بطاقة شخصية تختلف في الرقم والترميز عن نظيره في عدن والمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، والطرفان يستخدمان قاعدة بيانات مركزية وسيرفرات واحدة موجودة في صنعاء. 

 

وقد أدت هذه المعضلة إلى عدم اعتراف بعض الدول بالوثائق الصادرة في المناطق الخاضعة للحوثيين، وتعطل معاملات السفر للطلاب والمرضى، وصعوبة تجديد الوثائق في المناطق المحررة، وازدواجية أرشفة البيانات وغياب توحيد السجلات. ويُعد الانفصال التقني واحداً من أبرز التحديات التي تواجه الحكومة المعترف بها دولياً، ما يقوّض من حجم وجدوى سلطاتها، ويجعلها رهينة لزر التحكم الموجود بيد الحوثيين في صنعاء. وعلى الرغم من المحاولات الخجولة لخلق سلطات تقنية مستقلة، فإنها باءت بالفشل، كما حدث مع محاولات الحكومة الشرعية إنشاء شركة اتصالات تحت مسمّى "عدن نت".

 

تبعية البنية الرقمية اليمنية

في هذا الصدد، قال المحلل السياسي اليمني وليد شمسان، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً "فشلت خلال الأعوام الماضية في تحقيق أي انفصال تقني أو إداري حقيقي عن صنعاء"، رغم انتقالها إلى عدن وسيطرتها المفترضة على المناطق التي انسحب منها الحوثيون. 

 

وأوضح أن شبكات الاتصالات، والأنظمة المالية، وقواعد البيانات المركزية، إضافة إلى أنظمة الجوازات والسجل المدني والتحكم في الطيف الترددي (للاتصالات اللاسلكية؛ الراديو والتلفزيون والإنترنت والهواتف) "لا تزال هذه البنية الرقمية اليمنية وشبكات الاتصالات "مرتبطة عضوياً ببنية صُمّمت وتُدار من صنعاء، ما جعل الحكومة الشرعية تتحرك داخل فضاء مقيد تملك مفاتيحه جماعة الحوثي".

 

وفي رأيه، فإن هذا الفشل "قوّض قدرة الحكومة على ممارسة وظائفها السيادية"، وأبقاها في موقع التابع تقنياً، ما انعكس مباشرة على أدائها الاقتصادي والخدمي وقدرتها على ضبط مؤسساتها. 

 

وأضاف أن عجز الحكومة عن إنشاء بنية تحتية مستقلة أو مراكز بيانات بديلة "كشف هشاشة مؤسساتها (الحكومة)، وعزّز اعتماد المواطنين والقطاع الخاص على المنظومات التشغيلية التي يسيطر عليها الحوثيون، بما في ذلك التحويلات والاتصالات والوثائق الرسمية".

 

وشدد شمسان على أن استمرار هذا الوضع في البنية الرقمية اليمنية منح الحوثيين "امتيازات سياسية واقتصادية لم يحصلوا عليها عبر القوة العسكرية"، إذ منحهم التحكم بالموارد الرقمية والمعلوماتية نفوذاً مباشراً على حركة الأموال والتراخيص والمعاملات في المناطق الخاضعة للحكومة نفسها. 

 

وبحسب قوله، فإن الإخفاق الحكومي في بناء استقلال تقني "ساهم في ترسيخ واقع سياسي مشوه، عزز سلطة الأمر الواقع الحوثية، وقلّص من شرعية الحكومة وقدرتها على فرض سيادتها على الأرض". 

 

واعتبر أن "استعادة الدولة تبدأ من استعادة بنيتها التحتية الرقمية والإدارية"، داعياً الحكومة إلى "التعامل مع الملف بوصفه أولوية سيادية لا تقل عن المعركة العسكرية".

 

من جهته، رأى الباحث التقني اليمني فهمي الباحث أن واقع البنية الرقمية اليمنية ومعضلة استمرار اعتراف المنظمات الدولية، مثل الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) ومنظمات إدارة عناوين الإنترنت، بمراكز التحكم في صنعاء، لا تعود إلى "اعتراف سياسي"، بل إلى منطق فني إجرائي. وأضاف في حديث لـ"العربي الجديد" أن هذه المنظمات لا تتعامل مع الحكومات بصفتها السياسية، بل تنظر إلى الدولة "وحدةً قانونيةً واحدةً"، وتضع معايير "سلامة التشغيل واستمرارية الخدمة" فوق أي صراع داخلي. 

 

وأوضح أنه "ما دامت التجهيزات في صنعاء تعمل والمراكز تؤدي وظيفتها التقنية، فإن هذه المنظمات تلتزم بالواقع القائم، بانتظار أن تفرض الحكومة الشرعية واقعاً بديلاً يحظى بالاعتراف الفني الدولي".

 

وفي نقد لأداء الحكومة الشرعية، أشار الباحث إلى أن مشروع "عدن نت" كان من المفترض أن يمثل بوابة دولية مستقلة تكسر احتكار "يمن نت" وتجذب المستخدمين عبر عروض وخدمات منافسة، إلا أن المشروع، بحسب وصفه، لا يزال "مشروعاً متعثراً" لم يستطع التوسع أو التحول إلى شركة اتصالات متكاملة، رغم مرور سنوات من الحرب. 

 

وفي رأيه، فإن العائق ليس تقنياً فحسب، بل هو "قرار إداري وسياسي" غائب، مؤكداً أن إنشاء بنية تحتية مستقلة قد يستغرق عاماً واحداً فقط، لكن غياب الخطوات الجادة والملموسة حال دون تحقيق تقدم حقيقي في هذا الملف السيادي.

 

وحول وضع البنية الرقمية اليمنية والحلول الممكنة، اقترح الباحث فتح باب الاستثمار أمام الشركات الدولية، معتبراً أن جذب رؤوس الأموال الخارجية كفيل بتغطية التكاليف الباهظة التي قد تصل إلى ملايين الدولارات، وسيجلب معه خبرات إدارية قادرة على إدارة القطاع بفعالية. 

 

لكنه حذّر في الوقت نفسه من خطورة استمرار الوضع الراهن، إذ لا تزال جماعة الحوثي تسيطر على شبكات الألياف الضوئية والربط بين السنترالات المركزية، "ما يمنحها القدرة الكاملة على التحكم بالاتصالات والإنترنت، حتى في المناطق التابعة للشرعية". وشدد على أن الموارد المالية لهذه الخدمات لا تزال تتدفق إلى المؤسسة العامة للاتصالات في صنعاء.

111111111111111111111


جميع الحقوق محفوظة لدى موقع الرصيف برس